السفر هجرة مؤقتة، هجرة من أو إلى، من المكان والزمان والبشر، إلى مكان وزمان وبشر أيضاً ولكن مختلفون، ممن حولنا أو منّا أو من الاثنين، المشترك هو التغيير والابتعاد والرحيل، وكذلك هو هروب.
في بدايات العمر يصحبنا الأهل حول العالم في رحلات السفر الصيفية وكانت طويلة تمتد لثلاثة أشهر أحياناً، الخط والخطة من ترتيبهم، ونحن مجرد مرافقين نفاجأ بالأماكن وجداول السياحة، وكنا نسعد ونسعدهم، ولا نعترض أو نمل أو نتذمر، بل مجرد ركوب الطائرة كان سفراً بحد ذاته ولو لم نعرف الوجهة والمدة وما ينتظرنا.
هل كانت القناعة أحد عناصر الهواء الذي نستنشقه؟! ربما كذلك، فقد اشترك الجيل بسمة الرضا والقبول لما هو موجود، وخاصة إذا كان من اختيار الأسرة، فقد نظرنا لها دائماً بعين الممتن لما تقدمه لنا والسفر كان زيادة في البِر منها لنا.
قبل الحرب الأهلية في لبنان كانت الوجهة إليها، تسبقنا السيارات براً محملة بالتموين والبهار الكويتي ومعدات الطبخ، ثم نلحق نحن بها جواً، الطعام قبل المنام، نطمن على بطوننا قبل أماكن سكننا.
ولأن كثيرون يمتلكون سكناً في لبنان كانت تسبق العائلة المدبرات لتجهيزه، لم يكن هناك مربيات ومدبرات منزل يهربن في السفر، بل كانت الواحدة منهن تحمل مفتاح خزنة «السيدة» التي تحفظ فيها الأموال والمجوهرات، قبل أن تنتشر خزائن برقم سري، ويقمن مع حارس البيت و«الجنايني» بأعمال التنظيف بكل إخلاص ورضا، ينظرون له كعمل يقومون به ويحصلون على رواتب وليست لديهم نظرة دونية لأنفسهم، بل يعتزون بانتمائهم لأسرة واحدة لعقود، هل لأن الرسالة التي وصلتهم من تلك الأسرة «أنتم جزء من العائلة»؟! بالطبع هذا عامل، وكذلك عامل نفسيات موظفي المنزل ذاتهم، كل شيء كان مختلفاً بشكل جميل.
بعد العام 76 انتقلت الهجرة الصيفية إلى وجهتين: سورية، وفرنسا، وخصوصاً المناطق الواقعة على شواطئ الريفيرا.
الشام جنة من جنان الله في الأرض، لا تعرف أي مكان فيها فردوسها، تفتتن بها أنّى جئتها، ولا شيء يضاهي الجلوس على الشرفة والمشاركة بالحضور فقط في جلسة فنجان قهوة بين جدتي وجارة المصيف في الزبداني «أم سعيد» زوجة صاحب المطعم الأنيق بالمشاوي العريقة ذات نكهة الطبخ المنزلي.
بلاد الشام لا منافس لنقاء هوائها، ولا مثيل للون خضرتها، ولا أكرم من أهلها : «اقطفوا وكلوا»، هكذا كان يقول لنا أصحاب الحدائق الغناء بما لذ وطاب من فاكهة وخضراوات، كلوا، وكنا نأكل ونفرح ونتسابق لقطف الناضج من الزروع.
أما الريفيرا الفرنسية فهي حكايات الصيف على البحر المتوسط، عندما تقابل ضوء قمر يسطع على ذاك البحر، فهذا يكفيك من أي نشاط آخر خلال الصيف، وجودك بين أحضان سانت روبيه وكان ونيس وموناكو والريف الفرنسي، كفيل بأن يضخ بجسدك الرغبة في الإنجاز، وفي قلبك الاستعداد للحب، وفي روحك مصل الشباب الدائم، الخلود.
السفر سيْر في الأرض، مشاهدة انعكاس جمال المبدع، خلْقه وصُنعه، محروم من يحبس السفر في التسوق والجداول المضغوطة بالغَث، ولا يعطي الروح فرصة الاستسلام عندما تقف وجهاً لوجه مع درس عملي لخطاب إلهي مصوَّر بين خضرة وماء، وتفكر وارتقاء.
kholoudalkhames@