بعد ان استعرضنا لقانون العمل في القطاع الأهلي في الكويت، مسلطين الأضواء على نقاط القوة ومظهرين ما اعترى القانون من ثغرات في المقالتين السابقتين، آثرنا في مقالنا هذا ان نظهر كما أشرنا ومن وجهة نظرنا القانونية بعض المواد التي تعتبر مادة دسمة للدفع بعدم دستوريتها. وذلك انطلاقا من مجمل التعديلات والأحكام التي صدرت في فرنسا في الـ 30 سنة الماضية.
فإذا عدنا الى نص المادة 146 من قانون العمل نجد أنها توجهت للعامل واستثنت أصحاب العمل.
وللوهلة الأولى يجب وضع هذه المادة تحت المجهر لتحليلها ومقارنتها والتأكد من الناحية القانونية من سلامة تطبيقها. فقد جاء نص المادة: يجب أن يسبق الدعوى طلب يتقدم به العامل أو المستحقون عنه إلى إدارة العمل المختصة وتقوم الإدارة باستدعاء طرفي النزاع أو من يمثلهما، وإذا لم توفق الإدارة إلى تسوية النزاع وديا تعين عليها خلال شهر من تاريخ تقديم الطلب إحالته إلى المحكمة الكلية للفصل فيه.
وتكون الإحالة بمذكرة تتضمن ملخصا للنزاع ودفوع الطرفين وملاحظات الإدارة.
أوجب نص المادة 146 من قانون العمل على العامل أو المستحقين عنه قبل إقامة الدعوى العمالية للمطالبة بحقوقه ان يتقدم بطلب الى إدارة العمل التي يقع في منطقة اختصاصها الجغرافي في مقر العمل حيث تقوم هذه الإدارة بمحاولة تسوية النزاع وديا خلال شهر فقط.
فإذا فشلت التسوية الودية تعين عليها إحالة الموضوع بكل أوراقه الى المحكمة الكلية مشمولة بمذكرة تتضمن ملخص النزاع وأوجه دفاع الطرفين وملاحظات الإدارة.
وفي حالة إقامة العامل أو المستحقين عنه الدعوى مباشرة أمام المحكمة الكلية يقضى بعدم قبولها شكلا.
في حين لم يساو المشرع بين العامل والمستحقين عنه من ناحية وأصحاب الأعمال من ناحية أخرى في وجوب التقدم بالطلب أو الشكوى الى ادارة العمل التي يقع في اختصاصها الجغرافي مقر العمل، حيث ان أصحاب الأعمال من حقهم التوجه مباشرة الى الدائرة العمالية بالمحكمة الكلية وإقامة الدعوى ضد العامل دون وجوب تقديم طلب سابق عليها وتصبح دعواهم مقبولة من حيث الشكل وتلك تفرقة لا تحقق المساواة بين العمال وأصحاب الأعمال.
وحيث ان من مقتضيات حق التقاضي اللازمة واللصيقة به وانطلاقا من مبدأ المساواة والعدالة أمام القضاء حق الدفاع، هذا الحق لا تقوم له قائمة إلا بتوفير المساواة الحقة بين أطراف الخصومة. ومن لزوم وسائل تحقيق هذه المساواة ان تكون للخصومة ذاتها قواعد موحدة سواء في مجال التداعي بشأنها أو وسائل الدفاع أو الطعن في الأحكام الصادرة فصلا فيها. والحاصل أن القواعد الموضوعية والإجرائية التي يقررها المشرع تفترض في المقام الأول ألا يقيم المشرع بين الأشخاص المتخاصمين فيها تمييزا في نطاق القواعد الإجرائية، التي تحكم الخصومة عينها ولا في طرق الطعن التي تنظمها وألا تحول هذه الفوارق بينها دون تساويهم في الانتفاع بضمانتهم وخاصة ما يتصل منها بحق الدفاع.
وحيث ان المشرع في نص المادة 146 قد وضع تمييزا بين مركز العامل وصاحب العمل بحيث أوجب على العامل أن يتقدم بطلب لإدارة العمل قبل رفعه لدعواه العمالية وإلا تصبح دعواه غير مقبولة شكلا.
بينما فتح مجال التقاضي مباشرة على مصراعيه لأصحاب الأعمال ولم يلزمهم باللجوء الى إدارة العمل وتقديم طلب لبحث أوجه النزاع مع عمالهم والدعوى المقامة منهم مباشرة تكون مقبولة من حيث الشكل.
وحيث ان الواقع العملي أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن العامل يفقد الكثير من الوقت الذي يصل الى عدة أشهر لكي تبحث وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل شكواه. وتعطي أصحاب العمل الفرصة مرة تلو الأخرى لكي يقوموا بالرد على مطالب العامل الذي لا حول له ولا قوة إزاء ما يبديه أصحاب الأعمال من مماطلة، وفي النهاية لا يتوصل العامل لاتفاق مع صاحب العمل، وتخرج علينا الإدارة في أغلب الأحيان بمذكرة تذكر فيها أنها لم توفق الى تسوية النزاع وديا، وتحيل الأمر الى المحكمة دون أن يكون لرأيها أي صفة إلزامية على أصحاب الأعمال.
الأمر الذي يجعلنا نتساءل: لماذا لا تعطى لجنة تسوية المنازعات العمالية بإدارة العمل بعض الصلاحيات؟ مثال على ذلك: لماذا لا تفض النزاعات وتنظر بصورة نهائية في بعض الشكاوى التي لا تتجاوز الحقوق فيها مبلغا معينا فيكون لها الفيصل وتكون القرارات الصادرة غير قابلة لإعادة النظر؟ بالإضافة الى تفعيل حقها في الاستدعاء ووضع العقوبات القاسية على المتخلفين وإلا فما فائدة إلزام العامل بأن يتقدم إليها بشكوى مادام رأيها في النهاية ليس ملزما لأحد ولن يأخذ به القاضي عند بحثه لأوجه النزاع؟ لاسيما ان المشرع لم يساوي بين طرفي الخصومة في التقدم ابتداء الى دائرة العمل بالشكوى.
وفي النهاية نخلص ومن الناحية القانونية البحتة الى عدم جدوى التقدم بطلب الى إدارة العمل لبحث أوجه النزاع بين العامل وصاحب العمل إلا في ظل صلاحيات تعطي للجنة تسوية المنازعات العمالية وإطلاق يدها في حل النزاع في أسرع وقت ممكن، لاسيما ان القضايا العمالية سواء كانت في فرنسا أو في أي دولة متقدمة تدخل مقدما لدى قاضي الأمور المستعجلة، وذلك حرصا من المشرع على فض النزاع بأسرع وقت ممكن وأمانة لإعطاء الحقوق للعمال الذين عادة ما يكونون مظلومين، فيأتي القانون منصفا عادلا، وما تعليقنا على المادة 146 من قانون العمل بعدم دستوريته الا لإخلاله بمبدأ المساواة في مجال حق التقاضي والإخلال بضمانة الدفاع التي لا ينفصل حق التقاضي عنها والتي عرفتها القواعد الإجرائية للدعوى، فإنه يكون مخالفا لأحكام المواد 29 «الناس سواسية في الكرامة الإنسانية وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين».
والمادة 166 من الدستور «حق التقاضي مكفول للناس، ويبين القانون الإجراءات والأوضاع اللازمة لممارسة هذا الحق».
وبالعودة الى هذين المادتين من الدستور نجد جمال الصياغة في اللغة وروعة التعبير، فإنهما يدلان على مدى تمسك الدولة بالحقوق وحقها في فرض الواجبات دون تمييز. ونختم مقالنا هذا، وكما في كل مقال: «بلدنا الحبيب الكويت الله حاميه».
[email protected]