«نحن ذاهبون إلى نهاية أسوأ ركود اقتصادي منذ عقود، وسنشهد بداية انتعاش في بداية السنة المقبلة» هذا ما صرح به رئيس البنك الفيدرالي الأميركي بن برناكي بتاريخ 15/3/2009.
فقد ركز بن برناكي خلال مقابلته على عدد من الحوافز المالية لوقف التدهور الاقتصادي في الولايات المتحدة والذي سينعكس بدوره على العالم ايجابا كان أم سلبا.
وهنا نتساءل: ما الذي دفع بن برناكي لهذه القراءة؟ وعن أي انتعاش يتحدث؟ وكيف نفسر القلق المتزايد على النمو العالمي في الفترة الأخيرة، مع بداية الربع الثاني من العام 2009، ظهرت مؤشرات ذات دلالة بالغة الأهمية عن بداية انتعاش في أسواق المال العالمية.
وكما هو معلوم، ان مفاعيل هذه المؤشرات على الاقتصاد تبدأ بالظهور في فترة لا تتجاوز الستة أشهر، وهذا المؤشر يظهر تباعا ليسجل عاملا ايجابيا او سلبيا ولكن من الممكن التلاعب بوتيرة الحقائق عبر المراهنات على الظروف والوقت.
وبالفعل، وخلال الربع الأخير من العام نفسه، وكما كان متوقعا، فقد حقق الاقتصاد العالمي وخاصة الأميركي نموا تجاوز 3.8% على أساس سنوي، مؤشرا عن بداية النهاية لأسوأ ركود اقتصادي شهدته الولايات المتحدة والعالم وهذا ما عبرنا عنه في مقالاتنا السابقة وشرحنا فصول وأسباب النمو ولكن ليس بالتفاؤل وبالأسلوب الذي طرح.
ان معدل النمو في النصف الأول وعلى أساس سنوي 1.3% وهو معدل بطيء نسبيا مقارنة بالفترة نفسها من العام 2010.
هذا التباطؤ يفسر بانخفاض معدلات الاستهلاك التي تمتص حوالي 70% من الإنتاج الأميركي، ان تراجع القدرة الائتمانية للأسر نتيجة الانخفاض في نسب التوظيف وارتفاع أسعار البترول سوف تؤدي الى كوارث.
في هذا الإطار لابد من الإشارة إلى أن الانتعاش الاقتصادي العالمي بالمعنى الحقيقي هو الانتعاش الذي يقوده الطلب الخاص وليس عن طريق سياسات التحفيز المالية أو اي عوامل عابرة من الممكن ان تتأثر بأي عامل خارجي، هذا ناهيك عن الظروف الطارئة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، الانتعاش الحقيقي في الولايات المتحدة يحدث عندما تتجدد قدرة الأسر على الاقتراض والاستثمار مجددا في القطاع العقاري.
فطالما ان الدخل في الولايات المتحدة لايزال يتوزع بشكل غير متوازن ودائما على حساب الموظفين، فالديناميكية ألاقتصاديه لا تستطيع أن تولد نموا اكبر من قدرة هذه الأسر على الاقتراض.
وهنا تكمن المشكلة الرئيسية، وهى تدهور القدرة الائتمانية أو الجدارة الائتمانية للأسر في الولايات المتحدة الأميركية.
فإذا كانت نسبة الديون الأسرية الدخل بدأت في الانخفاض، فإن نسبة الديون الاسرية/ الثروة لاتزال مرتفعة جدا، وخصوصا في الولايات المتحدة.
وهذا يدل على عدم قدرة الطلب الخاص في خلق ديناميكية معينة تمكن من تحقيق معدل نمو بحيث يشكل رافعة أساسية للاقتصاد الأميركي للنهوض والخروج من الازمة الحالية.
من هذا المنطلق، نستنتج ان ثمة حلولا لهذه المعضلة للخروج بنمو حقيقي في الولايات المتحدة والعالم والتي يجب سوقها الى الدراسة والتحليل وهذه الحلول هي مجمل ما انكبت عليه معظم المعاهد والدراسات التي وضعتها تحت المجهر فكان أهمها:
ان ارتفاع أسعار الأصول وخاصة أسعار العقارات له دلالته السلبية وخير مثال على ذلك لبنان، وهنا لابد من الاشارة إلى انه من المستبعد، إذا ما أخذنا في الاعتبار حجم المخزون للمنازل غير المبيعة، وارتفاع أسعار الفائدة على المدى الطويل، ارتفاع أسعار هذه الأصول على المدى القريب، لذلك لابد من كبح جماح هذه الارتفاعات.
مسح ديون الأسر عن طريق وفورات ومدخرات إضافية، وهنا من الضروري أن يكون الحد من الديون أسرع من الانخفاض في الثروة لدى الأسر لكيلا ينعكس سلبا على الاقتصاد، وذلك بزيادة الجهود الادخارية لدى هذه الأسر وتشجيعها، وكذلك تشجيع الاستهلاك من خلال رفع القدرة الائتمانية لدى الأسر.
ونشير هنا، وفي ظل أزمة الديون الحالية، الى صعوبة زيادة سقف الإنفاق العام لما يترتب عليه من تداعيات سلبية على الاقتصاد على المدى الطويل.
يبقى السؤال عن الانتعاش الذي تصدرت به الصحف: عن اي انتعاش تكلم؟ مع أن الحلول المتوافرة لا يمكن تحفيزها بالأدوات المالية التقليدية في ظل الإحباط لدى المستهلكين وازمة الديون وغيرها، وإن حفزت، لا يمكن أن يكون لها تأثير ملحوظ في المدى القريب على الأسواق.
ومن هنا نستنتج أن العالم الاقتصادي سيشهد معدلات نمو متواضعة على المدى المنظور قبل حدوث اي انتعاش حقيقي.
وهذا يفتح الباب واسعا أمام التساؤلات عن مدى قدرة الحكومات في العالم على الوفاء بديونها في ظل معدلات نمو كهذه، كذلك الحال بالنسبة للإيرادات الضريبية المتوقعة في لحظة حرجة للاقتصاديات في العالم، بحيث سيكون من الصعوبة بمكان إيجاد أرضية خصبة للتفاهم أو الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالديون والميزانية بين أعضاء هذه الحكومات.
هكذا، وفي هذا الإطار، فإن كل يوم يمر فإن الحكومات الاقتصادية ستصبح غير قادرة على التوصل إلى حلول لرفع سقف الدين العام، والذي سوف يهدد النمو والتطور الاقتصادي العالمي هذا بالإضافة إلى تبديد كل الفرص المتاحة لتوفير فرص عمل جديدة وإعادة إطلاق العجلة الاقتصادية في العالم.
وإزاء هذا الموقف، ستجد الحكومات نفسها مجبرة على رفع سقف دينها لدفع عجلة اقتصادها المهدد بالركود مجددا، ولكن بأي ثمن؟ فالاتفاقات الموقعة مؤخرا هي اتفاقات تسمح بتفادي النتائج الكارثية الناتجة عن عدم قدرة الحكومات في العالم على سداد ديونها على المدى القصير.
فعلى الرغم من الاتجاهات العديدة التي تتضمنها هذه الاتفاقات بشقيها الايجابي والسلبي، فإنها لا تعدو كونها اتفاقات لتأجيل الأزمة فترة قصيرة وليست معالجة جذرية تسمح لنا بالحديث عن تطور جذري في الاقتصاديات العالمية بحيث يمكنها تحقيق معدلات نمو مرتفعة على المدى المنظور.
وهذا ما دفع مؤسسة ستاندارد اند بورز للتصنيف الائتماني الى خفض تصنيفها الائتماني للولايات المتحدة لأول مرة في تاريخها من درجة «AAA» الى درجة «+AA».
فمن هنا نتساءل: هل دخل الاقتصاد العالمي مرحلة عدم الاستقرار؟ والى متى تبقى الحلول الموضعية ونحن ندرك سلفا اذا ما استمررنا بهذا النهج ان عقارب الساعة ستعود حتما الى الوراء، ان الحلول موجودة وستبقى دائما موجودة ولكن البحث فيها يستلزم قرارا.
في الختام وكما في كل ختام نتوجه بأحر التهاني بحلول عيد الفطر الى صاحب السمو الأمير حفظه الله ورعاه والى ولي عهده الأمين والى سمو رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس الأمة والى الشعب الخير والمعطاء، حفظكم الله من كل مكروه، وتبق الكويت الحبيبة الله حاميها.
[email protected]