استنادا إلى ما ذكرناه في المقالين السابقين وبعد التمحيص في النص والعودة الى اصول الفقه تثير النفقة الزوجية ختاما أهمية خاصة لدى المجتمعات القديمة والمتحضرة. وبصورة خاصة موضوع الأحكام المبنية على الأعراف باعتبارها مصدرا من مصادر القاعدة القانونية التي كانت دائما ولا تزال مركز اهتمام لجميع الشعوب والحضارات منذ الازل.
فالنفقة الزوجية تواجه في العالم الاسلامي اشكاليات عديدة، خاصة عندما نتناول موضوع الدراسات المقارنة بين المذاهب المختلفة وتطبيق مبدأ المساواة والعدالة على الطوائف الاسلامية، منها كيفية اللجوء الى تفسير النص القرآني فقهيا وفهم خلاف الفقهاء له، اضافة الى موضوع إخضاعه للتقاليد والأعراف خارج النص القرآني والسلطة التقديرية التي تمنح للقضاء على قاعدة هل النفقة الزوجية وتقديرها تتبع المذهب الحر ام المقيد ام المختلط ومدى علاقة القاضي وارتباطه باحد هذه المذاهب الثلاثة وانعكاسات هذه المذاهب المقيدة او المطلقة على ارادة القاضي وسلطته في اصدار الأحكام؟ هذه الاشكاليات بحاجة الى دراسة حيادية معمقة لرفع الظلم عن كثير ممن عانوا من احكام جائرة افقدتهم حقوقهم وجعلتهم عاجزين عن اثبات احقيتهم، اما بسبب النص واما بسبب العرف، وهذا ما يوضح بلا شك المكانة الممتازة التي تحتلها النفقة الزوجية في كنف العائلة ومحيطها وانتمائها ومدى حاجتنا الى تشريع قانون يعتمد على نص قرآني محكم ينصف الزوجة في استحقاقاتها من الزوج على ان هذا التشريع يشمل الجميع دون استثناء وخاصة في الدول ذات التعدد الطائفي أن نفقة الزوجية واجبة على الزوج شرعا لقاء احتباسها عليه، وأن النفقة للزوجة دين عليه في ذمته لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء طبقا للمادة الأولى من القانون 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون 100 لسنة 1985، واذا توافرت شروط الاستحقاق، فهنا تستحق الزوجة النفقة مع يسار أو إعسار الزوج طالما كان قادرا على الكسب، ولكن هنا تدخل الاشكالية العملية فيما يتعلق بالسلطة التقديرية المعطاة للقاضي فيما يتعلق بالتقدير لهذه النفقة وهذه الاشكالية محط نظر في الدراسة، لأنها وبموجب التقدير فقد يظلم البعض ليس بالحكم، ولكن بالمقارنة نتيجة عدم وجود ضوابط للتقدير وسلطة القاضي هنا تقديرية ولا يجب ان تخرج عن ثلاثة فروض اساسية ومراعاتها يجب ان تكون فرضا ان يقبل القاضي ما تراضى عليه الزوجان، وهنا يكون حكمه كاشفا فقط عن دين النفقة في ذمة الزوج والحكم الكاشف يعني اخراج ما تراضى عليه الزوجان دون تدخل وان يزيده القاضي اذا وجد فيه تعسفا من الزوج رغم يساره ولا يسد المفروض ظروف المعيشة، وهنا نعود لنتكلم عن بيت القصيد لتدخل ارادة القاضي رغما عن التزام الطرفين وان ينقصه القاضي اذا وجده مغالا فيه مع ضيق حال الزوج، وهنا كذلك تدخل ارادة القاضي.
وبالعودة الى الشروط، ذكر مرتين الزوج ومرتين القاضي دون التطرق الى حقوق الزوجة، فهل اسقط او سقط؟ هذا الاتفاق هو محرر وله حجية في إثبات التزام الزوج بالاتفاق بالمبلغ الذي قدره على نفسه بما يعد اتفاقا صائبا وطلب الزوج بانقاص النفقة نتيجة عسره او مرتبط بمدى اثباته لهذه العسر اضافة الى اقترانه بنفقة الزوجة وحاجتها وخاصة اذا كانت مريضة.
فالنص يجب الا يقيد القاضي في هذا الاتجاه، بل مراعاة الأمور وتقديم الأهم على المهم، فحاجة الزوجة المريضة في الانفاق تكون اهم من اعسار الزوج، وهنا نطرح موضوع تقدير النفقة بموجب ضوابط على رأسها موضوع الكفاف.
[email protected]