ثمة خطابان عندما يتعلق الموضوع بالخصخصة، الأول «خطاب نظري» يتجه إلى الحديث عن مزايا الخصخصة وأهميتها ودورها في عملية التنمية وتحسين نوعية الخدمات وغيرها. غالبا من يستخدم هذا الخطاب هم المستفيدون بصورة مباشرة من عمليات الخصخصة، أي من الرأسماليين الجشعين. أما الخطاب الثاني فهو «خطاب واقعي» يتجه إلى سلبيات الخصخصة ويحاول أن يشخص الآثار المدمرة لها على المستوى الاجتماعي قبل الاقتصادي، كما وينظر بواقعية إلى «واقع» البلد ودور الحكومة التي لا يدعو أداؤها المتواضع جدا لأي تفاؤل، ويستخدم هذا الخطاب بالتأكيد عامة الشعب ممن يعرفون أنهم أول المتضررين من عمليات الخصخصة، ولذلك لا غرابة أن يسموا الخصخصة باسم «بيع البلد» لأنهم يعرفون تماما ماذا يحصل بعيدا عن التنظير والحديث المثالي «المخادع». فتجاربنا مع خصخصة بعض القطاعات لم تنتج أي شيء من تلك الأحلام الوردية التي يتغنى بها «منظرو الخصخصة»، فلم يتغير أي شيء في مستوى الخدمات ولم تفتح فرص عمل جديدة للشباب الكويتي ولم تساهم في نهوض الاقتصاد الوطني، بل على العكس تماما قام الرأسماليون الجشعون بطرد الكويتيين وتخفيض رواتب من صمد منهم، ثم جاءت حكومتنا «الرشيدة» التي تتغنى اليوم بجمال الخصخصة وقامت بدفع جزء من رواتب الموظفين المسرحين لمدة ستة أشهر ثم تخلت عنهم بعد ذلك، دون أن تفعل أي شيء ضد الرأسماليين الجشعين الذين يتحايلون على قوانين التكويت وغيرها بألف طريقة وطريقة. من السهل جدا التنظير حول مزايا الخصخصة وتصويرها وكأنها الحل السحري الذي سيقضي على كل مشاكلنا بضربة عصا سحرية بين ليلة وضحاها، غير أن هذا الحديث النظري المخادع لن ينطلي على الناس بالتأكيد، خاصة أن المسألة تتعلق بأرزاقهم ومستقبل أبنائهم. ولو كان التنظير كافيا فليس هناك أجمل ولا أفضل من النظام الشيوعي على الورق، فالشيوعية نظريا أشبه بالجنة، بينما الواقع شيء آخر، فقر وجوع وامتهان لكرامة البشر. والحال مع الرأسمالية أشد فتكا وضراوة، وما سنجنيه من عمليات الخصخصة في ظل واقعنا الحالي لن يختلف عما جناه السوفييتيون من تجربة الاشتراكية اللينينية والستانلينية، فسنجد أنفسنا نكدح الليل والنهار فقط لدفع فاتورة الكهرباء للرأسمالي الجشع.
لا أظن أن هناك وقاحة واستخفافا بعقول الناس أكثر من محاولة تبرير الخصخصة بالقول إن ترهل القطاع العام وانتشار الفساد فيه يدعوان إلى الخصخصة، والأولى بدعاة هذا التنظير السمج أن يطالبوا الحكومة بالإصلاح بدلا من إيجاد التبريرات السخيفة التي تريد أن تعفي الحكومة من مسؤولياتها.
[email protected]