من يقرأ أدبيات الثورة الفرنسية يعرف أنها كانت ثورة ضد الظلم وعدم المساواة، فقد كانت فرنسا قبل عام 1789 ترزح تحت وطأة حكم استبدادي مطلق، مجتمع طبقي تسيطر فيه طبقة النبلاء التي كانت تستحوذ على كل شيء، في مقابل الطبقة البورجوازية الناشئة وطبقة البروليتاريا الكادحة والتي كانت تعاني ويلات السخرة والضرائب الفاحشة على الفلاحين والعمال، الأمر الذي حرك فلاسفة التنوير أمثال مونتسكيو وفولتير وجان جاك روسو وغيرهم ممن أشعلوا شرارة الثورة الفرنسية ضد هذا الوضع البائس، فنادوا بالمساواة والحرية والإخاء كمبادئ أساسية للثورة التي انطلقت في مثل هذه الأيام من عام 1789، وكان من أهم نتائجها فصل السلطات السياسية واعتماد النظام الجمهوري بدلا من الحكم الملكي المطلق على المستوى السياسي، وتم القضاء على نظام السخرة والرق واستبداله بنظام رأسمالي متحرر من رقابة الدولة على المستوى الاقتصادي، كما تم إلغاء الامتيازات الاجتماعية التي كانت مخصصة للنبلاء ومصادرة أملاكهم وأملاك الكنيسة، وأقرت مجانية التعليم وجعله إجباريا، وكذلك مجانية العلاج لكل من يعيش في فرنسا، وشرعت العديد من القوانين التي أسست للعدالة الاجتماعية والمساواة بين «البشر» على المستوى الاجتماعي، فكانت ثورة إنسانية عم صداها أرجاء العالم، وأحدثت تغييرا هائلا في معظم الدول الغربية خلال فترة زمنية بسيطة.
واليوم حين نتأمل ما يجري في فرنسا من عنصرية بغيضة وتنامٍ لتيار اليمين المتطرف، نشعر بالخطر والأسى على ذلك الإرث الإنساني الجميل، ففرنسا اليوم تعامل كثيرا من مواطنيها بطبقية وتفاوت لا يقلان بشاعة عن معاملة طبقة النبلاء والإكليروس إبان الحكم الملكي المستبد قبل ثورة 1789، كما أن كثيرا من القيم الإنسانية التي لطالما تميزت بها فرنسا بدأت بالتراجع حتى بلغت مع بعض المتطرفين فيها إلى درجة الانحطاط، فعندما تهاجم مجموعة من المتطرفين ـ وهم كثر ـ مقبرة في وسط باريس ويقومون بتدمير مقابر المسلمين فيها وتكسير شواهد القبور وإتلافها بكل همجية وانحطاط فإنهم بذلك إنما يدمرون كل ما هو جميل في ذلك البلد، ويدمرون كل تلك المبادئ والقيم الإنسانية التي أسستها الثورة الفرنسية وكانت فيها مصدر إشعاع للبشرية.
كنت في لندن خلال فترة تفجيرات محطات القطارات والباصات عام 2005، وكنت أتابع مقدار التراجع في القيم في كثير من الدول الغربية منذ أحداث 11 سبتمبر، وكتبت وقتها مقالا أرسلته للكاتب الكبير فؤاد الهاشم يحمل تساؤلا بسيطا من إنسان بسيط عاش في الغرب قبل وبعد تلك الأحداث، وشهد عن قرب تراجع الحريات وقيم التسامح والمساواة الاجتماعية، فتساءل: كيف لم ينتصر الإرهاب؟ وقتها وضع الأستاذ فؤاد الهاشم تعليقا على المقال قال فيه: ان ما يحدث من تراجع ما هو إلا جولة أولى، وأن المعركة مستمرة وستنتصر فيها أميركا وأوروبا بقيمها الإنسانية في النهاية. واليوم وبعد مضي أكثر من 9 أعوام على تلك «الجولة الأولى» ترى هل لايزال أستاذنا الكبير فؤاد الهاشم يعتقد ان الإرهاب لم ينتصر ولم يقتل في الغرب أجمل ما كان فيه؟
[email protected]