Note: English translation is not 100% accurate
الوجودية
28 أغسطس 2007
المصدر : الانباء
بقلم : محمد الخالدي
محمد الخالدي
دأبت الفلسفة منذ نشأتها مع طاليس على الاهتمام «بالحكمة»، والحكمة هنا ظلت مرتبطة بالعقل طوال قرون من الزمان، حتى جاء كيركجور الفيلسوف الدنماركي وافتتح فرعا صغيرا في هذه الطريق، وهو فرع اصبح يهتم بالجانب العاطفي لحياة الانسان، بأحاسيسه ومشاعره، بآلامه ومتاعبه، وبخوفه الدائم من الموت، تلك التجربة الفردية المجهولة!
كان ذلك في نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، وما لبثت هذه «الطريق الجديدة» ان فتحت على الفلاسفة من بعده جانبا لطالما غاب، او غُيب! ولم يعد السؤال عندهم عن اصل الوجود او مادته كما كان مع طاليس، اذ لم يعد الوجود الخارجي هو ما يهم هؤلاء الفلاسفة، وانما «وجودي انا» كانسان هو ما يشغلني ويقض مضجعي، فتحول معنى الوجود عندهم الى وجود الانسان لا وجود الكائنات الاخرى، حتى اطلق على فلسفتهم «الفلسفة الوجودية».
والوجـودية فكر انساني اصـيل، سـلط الضــوء على اعمـق ما في الانسان من مشــاعر، وحـفر في مداخيل النفس البشـرية ليـصل الى كل ما يؤرقها ويحـيرها، وعبر عن همــوم هذا «الموجود» الفريد في كل شــيء، في خلقه وتكوينــه، وفــي عـقله وقلبه وســلوكه، وعــالج قـضـايا ربما ترفّــع عنها كثــير من الفلاسـفــة «الكلاسيكيين»، الا انها كانت تمثــل مواضيع على درجة عالية من الاهمية في الفكر الوجـودي، كالــيأس والخــوف والقـلـق، ووجود الفرد وتأثير الآخر عليه، بل وحتى الموت على الرغم مما يحيطه من ابهام وغموض غير يسير.
والانسان - كما نجده في معظم ادبيات الفكر الوجودي - مشروع لا يكتمل الا بالموت، وحياته مليئة بالهم والكدر، يمتد حزنها منذ صــرخة المـيلاد، الى صرخة الموت، دخلها غير مختــار، ويحياها في شقــاء وألم، ولكنه رغم ذلك «حر»، بل ان الحـرية لديه هي الشــيء الوحيد الذي لا يستطيع الخلاص منه، ولا يملك منه فكاكا!
والادب الوجودي مليء بصور تلك المعاناة الانسانية بأدق تفاصيلها واعمق معانيها، غير ان التعبير عن تلك المعاني قد يأخذ اكثر من صورة، وهو محيط بنا اينما توجهنا، فنراه فكرا في كتب الفلسفة، ونثرا في كتب الادب، وشعرا في قصائد الشعراء، وتمثالا في اعمال النحاتين والرسامين، فالمعنى واحد والصورة شتى وكلها تنهل من معين واحد، نظرة البؤس والألم في وجوه البشر!