للنافذة في حياتنا تأثير خاص، فهي عين على العالم، تروي بصمت ألف حكاية وحكاية، تقول كل شيء حين نريد، وتصمت عن كل شيء حين نرغب. النافذة في وجداننا ترتبط عادة بالتأمل والفرجة والذكريات بكل ما فيها من تفاصيل، على عكس الباب الذي يثير في نفوسنا الرهبة والكآبة والضجر دون أن نشعر، ربما لأنه يرتبط بمفاهيم «الطرد» والغلق والتلصص!
٭ النافذة حياة، بكل ما فيها من صخب وإزعاج وحركة وقبح وجمال.. الباب سكون. أذكر أنني وقفت ذات يوم على النافذة أنا وصديقي في أحد أحياء القاهرة القديمة، نتفرج على «خناقة» دبت بين اثنين في الشارع المقابل، نضحك تارة ونصمت أخرى لأن الخناقة التي استمرت أكثر من ساعتين كانت «خناقة بؤيئي» كما يسمونها، تهديد وسباب وكلام فقط دون ضرب، يومها قلت لصاحبي: ما أعظم هذا الشعب، هذه خناقة متحضرة، بذيئة لكنها سلمية.
٭ وأذكر أيضا أنني كنت أجلس أمام نافذة شقتي الصغيرة في لندن كل يوم، أراقب بهدوء دبيب الحياة في هذه المدينة الجميلة، بكل ما فيها من تناقضات وأعاجيب، أتقلب بين سكونها ليلا، وصخبها في النهار، كنت أجلس مع كوب قهوة وصوت فيروز فأشعر وكأنها تحدثني، أستمع إليها وهي تروي قصة عالم بلا قلب ولا روح!
٭ لكل منا ذكريات تعيدها «نافذة ما»، نافذة طائرة في رحلة سفر، أو نافذة غرفة في مستشفى أثناء المرض، أو نافذة فندق تتساقط عليها قطرات المطر. وفي ذاكرتي الخربة الكثير من الأحداث والتفاصيل المرتبطة بالنافذة، لكنني لا أحمل أي شيء مع الأبواب ولا أشعر معها بأية مشاعر خاصة. النافذة عالم يطل على عالم.
[email protected] twitter@bodalal2