تسلسل الأحداث في الكويت واضح، النظم والمؤسسات تفقد فاعليتها شيئا فشيئا، والمجتمع ينقسم ويتخندق خلف تصنيفات يكّفر بعضها بعضا ويخوّن بعضها بعضا، المشكلات تتراكم دون حلول، ومعظم القرارات والتشريعات التي تخرج بعد طول عناء تكون مهلهلة ومليئة بالأخطاء، فتصبح هي بذاتها مشكلة بدلا من أن تكون حلا لمشكلة، وكثير من القرارات الكبرى اتخذت بصورة عشوائية بلا تخطيط ولا دراسة، مثل زيادات رواتب بعض الوظائف وإلغاء بعض المشاريع أو توقيعها… باختصار، الكويت تفتقر للإدارة الرشيدة منذ سنوات، وقد شارك الجميع في هذا الواقع المؤلم، الحكومة والبرلمان والشعب.
***
لا أعرف إن كان هذا العبث والانحراف الكبير في إدارة الدولة قد تم بفعل «خطة محكمة» من قبل «أعداء الكويت» كما يعتقد عشاق نظريات المؤامرة، أم إنه مجرد خلل وسوء تدبير وسذاجة وفوضى وتعامل مع القضايا بردود أفعال وقرارات ارتجالية ومزاجية. وعلى كل حال، لا فرق هنا مادامت النتيجة واحدة وهي تدمير النظم وتبديد الثروة، لكن ما يهم كثيرا هو الأفكار التي تشكل الرأي العام وتحرك الشباب تجاه هذه القضايا وتجاه الحلول التي يعتقدون أنها الأصلح للخروج من هذه الدوامة. والمشكلة الحقيقية ليست في الأفكار ذاتها، وإنما في «المنهج» الذي بواسطته تتشكل تلك الأفكار.. الأفكار ليست خطرة، التفكير بذاته هو الخطر كما يقول صديقي د.محمد الوهيب!
***
لا يهم كثيرا أن تكون الحكومة من الأسرة الحاكمة أو «حكومة شعبية» كما يسميها البعض وكأن أفراد الأسرة الحاكمة ليسوا من الشعب! بالنسبة لي أفضل الاختيار على أساس الكفاءة والقدرة فقط لا غير، «ما علينا»، المشكلة تكمن في طريقة التفكير عند الحديث عن هذه القضية، فأتباع كلا الفريقين، الفريق الذي يرى أن «الحل بحكومة شعبية» والفريق الذي يرى الحل بالمحافظة على هيمنة الأسرة على الحكومة، كلاهما يروجان لأفكارهما بخطاب إنشائي لا يستند إلى دراسات علمية، فأتباع الحكومة الشعبية لا يقولون لنا كيف ستكون الحكومة الشعبية المنتخبة أفضل، ما هي الضمانات وهل تتوافر متطلبات نجاحها في المجتمع أم لا وما هي هذه المتطلبات أصلا…؟ الخ. وفي المقابل أيضا نجد أتباع «حكومة الأسرة» لا يقولون لنا كيف ولماذا سيكون الابقاء على الوضع الراهن أفضل للكويت؟
باختصار شديد، لدينا مشكلة منهجية في التفكير وتكوين الآراء وتشكيل الرأي العام، فنحن لا نفكر بطريقة علمية مدروسة، ولا نخطط لأفعالنا ولا نتصرف بطريقة منطقية.. اننا فقط نصرخ ونردد ونتبنى أول فكرة تلمع في ذهن أي شخص يتمكن من الترويج لها بشكل جيد في الصحف أو في مواقع التواصل الاجتماعي، بلا تفكير ولا تخطيط ولا عقل، بل إننا نخطط للسفر لمدة أسبوع واحد بطريقة أفضل مما نخطط لمستقبلنا ومؤسساتنا وأعمالنا واقتصادنا ونظمنا الاجتماعية والتربوية والسياسية، ولا ندري ما فائدة كل مراكز الدراسات العلمية التي أصبحت هي الأخرى مصدر استنزاف وتبديد للثروة؟!
[email protected]
bodalal2@