كان مؤسس علم الاجتماع الحديث أوجست كونت يعتقد بأن «أنماط» السلوك الإنساني متشابهة في كل المجتمعات قديما وحديثا، ويقول بأن كل المجتمعات البشرية مرت بنفس المراحل التاريخية خلال رحلة تطورها. وبالتالي، فهم هذه المراحل يعني فهم الحاضر والتنبؤ العلمي بالمستقبل أيضا. أوجست كونت يتحدث عن “أنماط السلوك”، أي القوالب التي تشكل السلوك وليس السلوك ذاته، مثلا، كل المجتمعات لديهم تصورات ومفاهيم حول الصواب والخطأ، ويتصرفون بناء عليها، وينتظمون في الدولة التي تصبح الحكم الذي يفصل بين الناس في نزاعاتهم التي تنشب دائما حول تحديد ما هو الصواب أو الحق، ومن الذي يقرره، وعندما تفقد الدولة حياديتها ونزاهتها، وتنحاز لطرف من المجتمع ضد بقية الأطراف، فالنتيجة «الحتمية» هي تشكيل تنظيمات خارج إطار الدولة، تحاول - بالعنف غالبا - استعادة شيء من التوازن والعدل المفقود.
هذا الحدث، أي نشأة تنظيمات خارجة عن طوع الدولة تكرر فعلا عبر التاريخ في مختلف المجتمعات البشرية، وفي تاريخنا مثلا، ظهرت جماعة «العيارون» في الدولة الأموية، وظهرت جماعة «الشطار» في الدولة العباسية، وقبلهم ظهر «الصعاليك» في مختلف مناطق العرب قبل الإسلام. وربما تفسر الشخصية الأسطورية في الأدب الانجليزي القديم «روبن هود» المقصود هنا بوضوح. ففي الشرق والغرب، قديما وحديثا، هناك دائما تنظيمات تتشكل خارج إطار الدولة لتحارب الدولة أو القائمين عليها إذا استشرى بين الناس الشعور بفقدان العدل وحيادية مؤسسات الدولة والقانون، وفي كل مجتمع شخصيات متميزة ترتبط في أذهان الناس بوصفهم أبطالا ومنقذين، بعض هذه الشخصيات حقيقية، وبعضها أسطورية من صنع «المخيال الشعبي» بلغة أستاذنا الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري. هذا الحدث المتكرر في التاريخ الإنساني وفي كل المجتمعات البشرية، هو بالتحديد ما يقصده أوجست كونت في نظريته حول «الأنماط السلوكية المتكررة».
****
قرأت في الأسابيع الماضية بعض الكتب عن تاريخ الأندلس، منذ نشأتها مع هجرة الصحابي الجليل موسى بن نصير عام 91 للهجرة، ومرورا بأوج ازدهارها أيام عبدالرحمن الناصر عام 300 للهجرة، وانهيارها بعد ذلك بسبب الصراعات على الحكم والخيانات المتبادلة التي أدت لسقوط الأندلس عام 897 للهجرة بعد حكم دام ثمانية قرون. وكنت ألاحظ دائما بداية انهيار كل مرحلة أو حكم في مدن ودول الأندلس حدثا متكررا يتمثل في تكوين تنظيمات تخرج عن إطار الدولة وتبدأ بقتال الحاكم تحت نفس الحجة، أي الشعور بالظلم الاجتماعي وانحياز الدولة لجماعة دون أخرى. هذا هو القالب Pattern أو «النمط» السلوكي وفقا لنظرية أوجست كونت، والذي يظهر بوضوح في عالمنا اليوم في عدة مناطق من أوكرانيا شمالا إلى أقصى الشرق.
****
لا أقول بأن التاريخ يسير في حركة دائرية كما يقول ابن خلدون، ولا أعتقد بصحة مقولة «التاريخ يعيد نفسه»، وإنما أعتقد بوجود قوانين عامة تحكم سلوك البشر كما تحكم قوانين الطبيعة حركة الرياح وتمدد المعادن وسقوط الأجسام للأسفل. قد تختلف «مظاهر» السلوك وأدواته وأشكال التعبير عنه، لكن في المحصلة، ثمة أنماط سلوكية هي التي تحدد مسيرة التاريخ.. قيام وسقوط الدول.
[email protected]