امتلأت برامج التواصل الاجتماعي باجترار أحاديث الإحباط واليأس وتوقع الاستمرار في حالة الركود السياسي في البلد منذ تكليف سمو الشيخ صباح الخالد برئاسة الحكومة، وقابلوا تصريح سموه حين دعا المواطنين لأن يكونوا شركاء في الإصلاح ويقدموا ما لديهم من معلومات عن الفساد المستشري في الكويت بأحكام مسبقة، مدعين أنها مجرد تصريحات إعلامية، ولو كانت هناك نية حقيقية لمحاربة الفساد فلماذا لم يفعل شيئا وهو الذي شغل عدة مناصب وزارية في الحكومات السابقة؟
لا شك أن فقدان ثقة كثير من الناس بالإصلاح الحقيقي له ما يبرره نتيجة تكرار حوادث الفساد والهدر البشع للمال العام دون أن يقابل ذلك حالات محاسبة حقيقية.
الناس تسمع عن مئات الجرائم الكبرى في التعدي على المال العام، لكنهم لم يسمعوا عن مجرم واحد دخل السجن!
الشيخ صباح الخالد شغل عدة مناصب وزارية خلال مسيرته السياسية، والأكيد أن تلك الوزارات لم تشهد جرائم سرقة مال عام في أي منها خلال توليه مسؤوليتها حسب علمي، فالرجل نظيف اليد كما أكد صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد ذلك، فنحن نستطيع أن نحكم ونقيم تجربته السياسية في الوزارة التي شغلها، لكن - واقعيا - من غير الإنصاف الحكم عليه مسبقا بعدم الجدية في محاربة الفساد لمجرد أنه كان وزيرا في الحكومة.
لست من دعاة التطبيل لأي مسؤول عموما، وبالتأكيد ليس قبل مرور بعض الوقت ومتابعة أدائه، لكنني أتحدث بشيء من البراغماتية السياسية التي أعتقد أنها ضرورية، وإلا سنغرق في المثاليات والأحلام الوردية غير القابلة للتطبيق.
الشيخ صباح الخالد سياسي مخضرم وسجله نظيف، وتم تكليفه ودعمه من صاحب السمو علنا بمحاربة الفساد، والرجل بدأ خطواته الأولى في هذا الطريق، لا يصح أن نجتر أحاديث التذمر والإحباط وتوقع الفشل قبل العمل، ببساطة لأن هذا الخطاب محبط وينشر ثقافة اليأس دون أن يقدم أي بديل، هو خطاب سوداوي مغرق بالعدمية، ولذلك من الأفضل - براغماتيا - أن ندعم سموه ابتداء، ونساهم في نشر ثقافة التفاؤل بالإصلاح، ونتابع جهود سموه، فإذا ثبت بعد عام مثلا عدم وجود أي تقدم أو تغيير حقيقي نحو الإصلاح ومحاربة الفساد، عندها يحق للجميع التذمر وتصنيفه ضمن قائمة من لم يفعلوا شيئا.
شخصيا، توقفت عن متابعة الشأن المحلي منذ فترة طويلة، أصابني الملل والإحباط من شيوع خطاب التذمر وسرد حالات الفساد وصراع الأقطاب، كرهت هذه الثقافة السوداء التي جعلتنا «مجتمع مازوخي» يتلذذ بجلد الذات ويستمتع بآلام الظلم والقهر، ولا يكتفي بل يطلب المزيد من البؤس!
لنتحدث براغماتيا، الشعب الكويتي ليس ثوريا، وتاريخنا يخلو من الحركات الثورية، فليس أمامنا سوى طريق الإصلاح السلمي، والذي بالتأكيد يحتاج دعم أي مبادرة في هذا الطريق. أما اجترار خطاب اليأس والإحباط، فلن يمنحنا أي شيء.
يقول الشاعر الكبير بدر شاكر السياب:
آه لو أدركت يوما أمنياتي،
ماتت الشكوى على ثغر تمادى في الشكاة!
التمادي في الشكوى يخلق شخصية بائسة يائسة لا ترى إلا كل قبيح.
وعلينا ألا ننسى أن معظم تذمرنا هو ضد سلبية كثير من أعضاء البرلمان، والذين هم نتاج اختيارنا، بل تكرار اختيارنا لنفس الأشخاص، فنحن إذن شركاء في هذا الوضع البائس.
من هنا أقول إننا أصبحنا شعب مازوخي يستمتع بلعب دور الضحية، يشكو ويندب الحال ليل نهار، وإذا جاء دوره، يعيد انتخاب نفس الأشخاص الذين يقضي حياته يتذمر منهم!
هذا لا يعني أن الحكومة ممتازة، لكن «كما تكونوا يول عليكم».. إذا قمنا بدورنا وانتخبنا برلمانا قويا وأمينا، سينعكس هذا حتما على الحكومة لتصبح بدورها رشيدة.
[email protected]