في عام 1919 كتب كوزنتسوف، أحد منظّري الشيوعية المخضرمين للثائر المتحمس تروتسكي: موسكو تموت جوعا. رد عليه تروتسكي: هذا ليس جوعا، عندما استولى الامبراطور تيتوس على أورشليم، أكلت النساء اليهوديات أولادهن، وعندما ترغم أمهاتكم على أكل أولادهن، عندها يمكنك أن تقول لي «نحن جائعون»!
***
قرأت قبل أيام رائعة الأديبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش «زمن مستعمل.. نهاية الإنسان الأحمر»، ويا لها من رواية ساحرة، تعج بتفاصيل الحياة اليومية في زمن الحرب وزمن الوصاية الحكومية وزمن القبضة الأمنية خلال محاولات النظام الشيوعي السوفييتي صنع «إنسان أحمر»، بمواصفات ثورية خاصة، تسميه سفيتلانا Homo Sovieticus (هومو سوفييتيكوس - الإنسان السوفييتي) على طريقة علماء الانثروبولوجيا حين يتحدثون عن تطور الإنسان عبر التاريخ عن هومو اريكتوس (الإنسان المنتصب) وهومو هابيليس (الإنسان الماهر) وهومو سابينز (الإنسان العاقل).. الخ
تقول سفيتلانا: خلال ما يزيد على سبعين سنة، تم تصنيع نموذج إنساني فريد في مختبرات اللينينية الماركسية، يسمونه «السوفييتي»، يراه البعض شخصية مأساوية، أعرفه جيدا وعشت معه سنوات طويلة، إنه أنا، معارفي، أصدقائي، والداي.. جميعنا اشتراكيون نشبه ولا نشبه الأشخاص العاديين، لدينا قاموسنا الخاص، وتصوراتنا الخاصة عن الخير والشر، عن الأبطال والآلام، ومواقفنا المتميزة تجاه الموت، والتي تتردد في عبارات نعرفها جيدا «أطلق النار»، «دمر».. أو تلك الأشكال السوفييتية للاختفاء مثل «الحكم بالحبس عشر سنوات دون حق المراسلة».. حتى أصبحنا مترعين بالكراهية والخرافات، وكلها من هناك، حيث كانت معسكرات العمل والحرب الرهيبة، ومن عمليات نشر التعاونيات بالقوة، وتفكيك الاقطاعيات وتهجير الشعوب تحت وقع الرصاص.. تلك كانت الاشتراكية، تلك كانت حياتنا !
***
بعد «البيريسترويكا» (حركة الإصلاح التي قادها الرئيس غورباتشوف في الثمانينيات وانتهت بانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991).. وخلال حرب الشيشان الأولى بين روسيا والشيشان عام 1994، تهيم عجوز روسية قادمة من قرية تامبوف، نحتت سنوات الشقاء على وجهها ويديها الكثير من التجاعيد، تسأل العابرين في محطة قطارات موسكو عن الطريق إلى الجبهة مع الشيشان، فتسألها سيدة: وماذا تريدين من تلك المنطقة الخطرة؟ ترد العجوز: أريد أن أسحب ابني من هناك، «لا أريده أن يُقتل أو أن يقتل أحدا».
تقول سفيتلانا.. بعد البيريسترويكا، تبين أن الحرية في روسيا هي إعادة الاعتبار للبرجوازية الصغيرة، التي كانت ملجومة عادة في الحياة الروسية، لقد أرغمنا على معايشة التاريخ ونموذج الإنسان الأحمر، لكننا لم نحياه أبدا.
***
قرأت روايات سفيتلانا أليكسييفيتش، آخر الشهود، صلاة تشيرنوبل، فتيان الزنك، ليس للحرب وجه أنثوي، وزمن مستعمل، وبتأثير منها ومن الأديب الألماني الكبير بول هاينريش الذي سرد لنا تفاصيل الحياة في ظل الحكم النازي وزمن الحروب، حاولت أن أكتب على خطاهما شيء من تفاصيل الحياة اليومية في بلادي الكويت خلال فترة الاحتلال العراقي عام 1990، كتبت رواية صغيرة بعنوان «من ذاكرة الاحتلال»، ولكن مع الأسف رفضت 8 دور نشر كويتية طباعة ونشر الرواية دون ذكر الأسباب. كم شعرت بالخذلان وأنا أشاهد مئات الكتب على أرفف المكتبات لقصص مليئة بالأخطاء النحوية، وبكلام رديء لشاب يحدث فتاة بالهاتف محاولا إقناعها أن تخرج معه من وراء علم أهلها.. لم أحزن أبدا، لكنني أشعر بالحسرة على نشر مثل ذلك الكلام الرديء. ليت سفيتلانا أليكسييفيتش ترى إلى أين ستأخذهم إعادة الاعتبار للبرجوازية الصغيرة في نهاية المطاف.. فبالنهاية، سيكون لديهم «إنسان أزرق» بدلا من الإنسان الأحمر!
[email protected]