أستكمل اليوم ما بدأته من حديث في مقالي المنشور أمس، حول الأمة العربية، والتي أصبحت اليوم موصومة بالتخلف، فرغم امكانياتها ومواردها الطبيعية، فإنها تعيش في تخلف وجهل شديدين، وتعرضت على أيدي الطغاة والمستبدين من الحكام لعملية نهب منظمة للثروة أفقرت البلاد والعباد لصالح قلة قليلة استأثرت بكل مقادير البلاد.
وقلت في مقالي أمس ان مثل هؤلاء الطغاة لا يمكنهم حكم البلاد إلا بالتآمر، ولذا فإنهم تحالفوا مع تيارات تشبههم في هذا النهج، فالجماعات المتأسلمة لديها استعداد لفعل أي شيء لكي تصل الى السلطة لأنها تعلم انها متى وصلت اليها فلن ينزلها عنها أحد، فمن يجرؤ في هذه الحالة على تحدي سلطة الرب المقدسة التي هي كلمة «الإخوان» و«السلف» و«التبليغ» و.. و.. الخ؟! وإذا كان الحكام يقمعون شعوبهم بالهراوات والدبابات فإن هؤلاء المتأسلمين يقمعون الناس ويرهبونهم باسم الدين بترويج ثقافة الحلال والحرام!
يلفت النظر بقوة انه على مدى عدة قرون ومنذ ان آتت العلمانية - بكسر العين - ثمارها في تقدم الأمم والشعوب الأوروبية والتي دفعت ثمنا فادحا للخلط بين الدين والدولة، فإن الحكام المستبدين في الأمة ومعهم التيارات الدينية الظلامية المستفيدة من جهل الشعوب، قد شككوا في قيم وأخلاق الشعوب الأوروبية التي بنت حضارتها الحديثة على أسس علمية لا دينية، ورفضوا المنهج العلمي الأوروبي في التفكير شكلا ومضمونا، بداعي المحافظة على الدين وجوهر الإسلام من تشوهات الحضارة الغربية!
وعندما كنت أتطرق لهذه الأفكار في مقالاتي كنت أجدهم يقيمون عليّ الدنيا ولا يقعدونها أبدا، اليوم يشهد شاهد من أهلها ويفاجئنا الى حد بعيد بمنهج علمي عقلاني متحضر لا أدري ان كان يؤسس لمدرسة جديدة في الفكر الإسلامي أم لا؟!
أتحدث هنا عن شيخ مستنير هو الشيخ مصطفى راشد، استاذ الشريعة في جامعة الأزهر وعضو اتحاد الكتاب الأفريقي ـ الآسيوي، والذي كتب مؤخرا مقالا عنوانه «أنا علماني» يستحق فعلا ان يدرس، ويستحق ان يقرأ بعناية وان تدار حوله مناقشة علمية عقلية حقيقية، فهو يكشف بجلاء حقيقة تخلفنا وتقدم الآخرين!
الشيخ د.راشد يقول وينادي بنفس ما كنت أنادي به وينادي به الآخرون مع الفارق انه شيخ من الأزهر، ويعتمر العمامة، ويقول الآن هذا الكلام مع انه عرف في السابق عن الأزهريين انهم متعصبون لآرائهم وأفكارهم (المنطلقة من عقيدتهم الدينية فحسب)، ورفضهم المطلق لكل من ينادي بقيم مختلفة عن القيم التي ينطلقون منها في حكم الشعوب، مثل قيم الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان والتي تسود في ظل المجتمعات التي تؤمن بفصل الدين عن الحكم وعن ادارة شؤون الدولة!
يقول الشيخ الجليل في مقاله الذي ننقل فقرات منه اليوم:
«من الأشياء التي نجح هؤلاء الحكام في تزويرها لخطرها على وجودهم الديكتاتوري الفاسد هي «العلمانية» ـ بكسر العين ـ حيث شوهوا صورتها ومعناها لعلمهم بحقيقة العلمانية التي تؤسس لأن يكون الحكم للشعب وأن تسود الديموقراطية وحقوق الإنسان وحتى حقوق الحيوان، فوجدناهم يجيشون أذنابهم من أنصاف المثقفين ومدعي الدين ليفهموا الناس أن العلمانية رجس من عمل الشيطان وكفر والعياذ بالله، في حين أن الدول العلمانية هي أفضل البلاد في العالم حماية للمعتقدات والأديان، والواقع يشهد، فلو نظرنا لمسلم يعيش في بلاد علمانية ومسلم يعيش في بلادنا، وسألنا كلا منهما أيهما يعيش عقيدته بحرية وأيهما يعيش الديموقراطية وحقوق الإنسان؟ بالطبع ستكون الإجابة، نعم بالتأكيد من يعيش في البلاد العلمانية».
ويضيف د.راشد قائلا: «نجد أن الدول المتقدمة في العالم هي التي تملك دساتير علمانية والعكس صحيح، كما أن البلاد العلمانية لا تعرف الرشوة والفساد والكذب والنصب والعنف والقتل والسرقة بالشكل الذي تعرفه بلادنا، ففي البلاد العلمانية مثل هذه الجرائم نادرة، ولو حدثت تقابل بالقانون الحازم العادل».
وغدا للحديث بقية لنناقش تفاصيل مقالة الشيخ مصطفى!
.. والعبرة لمن يتعظ!
[email protected]