مع حلول الصيف، تهفو قلوب الكثيرين كل عام لغسل همومهم ومعاناتهم على مدى عام كامل، على ضفاف أخرى غير الوطن، صحيح ان الحالمين بالتمتع بالسفر وقضاء الإجازة، لا شك انهم يحملون الوطن العزيز في قلوبهم لكنهم يطمحون في هذه السفرات الى بعض الراحة، وتنفس الهواء بحرية من دون قلق المتابعة اليومية للدراسة والأولاد، وهموم البيت والعائلة، ويرى الحالمون بالسفر أو بما يتوهمون انه هو «الحل»، وهو المتعة الحقيقية التي ستغسل ما جثم على قلوبهم من هموم طيلة السنة الماضية.
على ان كثيرا من الأحبة يرون في السفر لوعة اخرى وعذابا من نوع آخر، ففيه فراق عن أحبائهم ولكن في عصرنا هذا استطاعت التكنولوجيا التغلب على مثل هذه المشاعر، واستطاعت تقريب المسافات وجعلها أقرب من أهداب العيون.
لكن هناك من ينظر للسفر نظرة أخرى وله فيه رأي مختلف، هناك من يعتقد بأن السفر الحقيقي ليس بالابتعاد عن المكان، والمفكر الكبير د.مصطفى محمود هو خير عنوان على هؤلاء ويتضح ذلك عندما يقول: «خفقة قلبك لامرأة، أو صداقتك لرجل، أو قراءتك لكتاب، هي أسفار حقيقية وميلاد جديد لك وتاريخ جديد لحياتك وتفكيرك».
المسافرون إذن لكل منهم أفكاره وأحلامه وربما «ليلاه» ايضا، فمثلا هناك من يعنيه في سفره ان يبحث عن ذاته ليستعيدها من جديد في ظل مصاعب الحياة وتعقيداتها وتأملوا ما يقوله طاغور: «على المسافر ان يطرق كل باب قبل الوقوف على باب نفسه، وعليه ان يهيم في مسرح العوالم الخارجية قبل ان يهتدي الى قدس أقداسه».
وهناك نوع آخر من المسافرين يرون في سفرهم هم مجرد نوع من أنواع التغيير فقط، أي تغيير المكان والبشر، والعادات والثوابت، وهذا نوع من أنواع التجديد الحقيقي للنفس والوجوه، لاننا نستعيد أنفسنا ونشاطنا، نرى أماكن جديدة غير التي اعتدنا عليها وهنا صورة بليغة لمثل هذا التصور صورها أمين نخلة بقوله: «في زاوية كل نفس ابن بطوطة متهيئ للرحلة وانما يعوزه نقل القدم».
السفر إذن حلم ورؤى متعددة لكن أشد حالات السفر تأثيرا في النفس هي حالة فراق من نحبهم أثناء السفر، انها اللوعة الكبرى فلوعة البعاد قد تسرق النوم من جفن المحب، والشاعر الكويتي بدر الجاسر يقول كاشفا عن بعض ملامح هذه اللوعة:
لا تودعني على نيه سفر
انا أخشى ساعة فيها الفراق
روح سافر ولا تطرشلي خبر
الفراق يصير وامر الله مطاع
وأما أحمد رامي فكتب وأنشدت أم كلثوم كلاما يهز الفؤاد ويبين لوعة المشتاق وكيف أنهكه البعاد:
على بلد المحبوب وديني
زاد وجدي والبعد كاويني
يا حبيبي انا قلبي معاك
طول ليلي سهران وياك
وليس هذا وحسب ما أبدعه رامي عن فراق الأحبة وتمنيات الحبيب نفسه برؤية المحب، فقد قال في آبيات اخرى:
بكره السفر ويروق بالنا
وأفرح بقربك واتهنى
وان كنا نهجر أوطاننا
ياما بنيت ع الحب آمال
وكنت أخاف كيد العذال
بكره السفر ويروق البال
ويسعد القلب الولهان
هكذا السفر إذن، كل له فيه معنى ومغزى وآراء وأحلام، فالمحبون يرونه بعيونهم ويعذبهم فراق أحبتهم.
ومن هنا أستأذنكم قرائي الأعزاء فقد حان الآن موعد لقائنا الأخير.. قبل ان يذهب كل منا في رحلة لغسل همومه على ضفاف أخرى، يعود بها مفعما بأمل جديد في الغد، بأحلام أكبر للوطن، بآمال أكبر في الشعور بالمسؤولية تجاه غد الكويت وحاضرها ومستقبلها.
وإلى ان نلتقي لكم مني أجمل تحية عبر هذه الزاوية العزيزة، التي نلتقي فيها بعد الإجازة إن شاء الله.. في أمان الله.
..والعبرة لمن يتعظ!.
[email protected]