ما حدث بالأمس خلال الجلسة هو بالضبط «خطأ لائحي» تصر الأغلبية على اسباغ المشروعية عليه وفرضه على الحكومة، والحكومة ترفض هذا الاعتداء على اللائحة وتقرر الانسحاب من الجلسة، كلا الموقفين من حق الطرفين اتخاذهما في حالة عدم توافقهما، ولكن الغريب ـ يا اخوان ـ هو ما حدث بعد انسحاب الحكومة فقد فرضت تصريحات «صقور الأغلبية» نفسها على المشهد السياسي، فبدا لي ولأهل الكويت عموما حزينا، لأن الخلاف الحاصل لا يزيد على كونه خلافا لائحيا فقط، ولكن الأغلبية «المنتشية» والتي تشعر انها وحدها في الساحة، توجه دفة الحياة السياسية كما تريد، لا تستطيع ان تتغلب على طبيعتها الاقصائية وغير الديموقراطية، فهي لا تريد ان تناقش او تمتثل إلا لصوتها فقط حتى لو كان خطأ، وهذه هي المصيبة، انها ديكتاتورية الأغلبية التي أصبحت مثل النار كلما أعطيتها قالت هل من مزيد!
تأملوا ما التهمته هذه النار مؤخرا.. فقد تم حل مجلس الأمة غير مرة حتى تغير رئيسه، كما استقالت الحكومة غير مرة حتى تغير رئيسها، وهكذا منحوا «الرئاسة» ومنحوا ايضا «الأغلبية» في المجلس، وأكثر من هذا فقد قامت الحكومة بتجاوز اللائحة كثيرا بإعطائهم الحق في تشكيل لجان تحقيق، كما ان الاستجوابات المقدمة لها لم تتعرض لتأجيل أو لطلب «السرية»، كما قدمت ايضا الكثير من المكاسب لهم عبر التعيينات الأخيرة في المناصب القيادية، ولكن الغريب انه عندما جاء استجواب الشمالي الذي اختلفوا – كأغلبية – عليه وتسابقوا لاقصائه، اذا بهم يريدون من الحكومة ايضا ان تتحمل نتيجة صراعهم! ولو عدنا الان لتصريحاتهم فسوف نجدها تكشف عن حقيقة مأساوية وهي ان هذه الأغلبية برئاستها الحالية ليس لها «طب»! أي ليس لها «علاج»، ويبدو وكأن هؤلاء لا يستطيعون ان يخرجوا من دائرة التأزيمات، فهم لا يستطيعون الحياة الا في هذا الزمن وتلك الدائرة العقيمة!
ويثبت هذا التصريحات المتشنجة والخالية من الحصافة السياسية، والناكرة للجميل عما قدمته الدولة في أرفع مستوياتها اليهم، وما حصلوا عليه من مكاسب، وكيف يقابلون ذلك الآن، وأترك الحكم لكم أعزائي القراء على ما قالوه:
٭ رئيس المجلس «لا فض فوه»: «إن تم حل المجلس فإن المقر الانتخابي لنواب الغالبية هو ساحة الإرادة».
٭ البراك: «إذا كان رئيس الوزراء غير قادر على ادارة الحكومة فيجب ان نأتي برئيس وزراء شعبي»!
٭ الحربش: «سنعلي السقف إلى أكبر من ذلك وسنحشد 250 ألفا في الإرادة»!
٭ المسلم: «لن نخضع ونتراجع والله خير حافظ»!
من يصدق ان هذه التصريحات العنترية تخرج؟ من يصدق ان خلافا لائحيا يجعلهم يأخذون البلد إلى هذا المنعطف؟!
أقول لرئيس المجلس: تعلم جيدا انك السبب في هذا الوضع نتيجة لعدم اتخاذك القرار المناسب، فأنت تعلم جيدا مخالفة الدمج - على الطريقة التي طرحت - للمادة 137!
السؤال الآن هو: بعد ان استقامت لك كل الأمور كما يحلو لك، ويفترض أنك في موقع ربان سفينة، كيف تطلق مثل هذا التصريح المتشنج وانت في هذا الموقع ولديك كل هذه الخبرة في مثل هذا العمر؟!
أيعقل ان يؤدي خلاف على تطبيق لائحة الى مثل هذا العناد، والذهاب بالبلد الى الهاوية والتهديد بأن تكون ساحة الإرادة مقرك الانتخابي؟!
أين الحصافة؟ أين الحكمة؟ وكنا نتوقع منك تقريب وجهات النظر بين المجلس والحكومة لكن حسافة!
دعني أذكرك بان الرئيس الخرافي عندما تقدم النواب في مجلس 2009 بأربعة استجوابات دفعة واحدة اتخذ قراره دون مناقشة بضمها ومناقشتها بيوم واحد، وكان ما كان، فلماذا لم تتخذ القرار المناسب حتى لا تتراجع اليوم بعد ان أطلقت هذه التصريحات اللامسؤولة؟ لماذا اليوم تصرون على خضوع الحكومة لكم والقبول بشروطكم في الاستجوابين، على أساس انكم لا مانع لديكم من الفصل على ان يتم اجراء الاستجوابين في يوم واحد، لماذا هذا العناد الذي أوصل الوسمي اليوم لسحب استجوابه لكي يرد التحية لغريمه؟ اعتقد ان لديكم فهما غريبا لمغزى ومعنى الاستجواب، فنحن نعتبره بمثابة «سؤال غليظ» الهدف منه تبيان الحقيقة ومعرفة بواطن الفساد والسعي لمعالجتها، وليس معناه أبدا الاقصاء والتربص فانتم لديكم فهم آخر وممارسة أخرى له لذلك أقول لك، يا سيدي رئيس المجلس، ان هذا «الاختبار» وهو الأول لك بعد سنوات من ابعادك من كرسي الرئاسة، أكد بما لا يدع مجالا للشك ان النظام كان يعلم انك رجل «للتأزيم» وليس «للإنجاز»!
ملاحظة: في كل الاستجوابات المقدمة التي حضرتها كان النائب الدقباسي يحرص على الحديث قبل الاستجواب، وفي كل مرة كان يتحدث عن هموم الناس، لا أدري لماذا يفعل ذلك في كل استجواب؟! هل لأنه يعلم ان هذا يوم يترقبه الجميع وبالتالي فهي فرصة له لابد ان يقتنصها؟! لا ادري!
.. والعبرة لمن يتعظ!
[email protected] ـ twitter@munaalayyaf