Note: English translation is not 100% accurate
يمه سامحيني غرتني الدنيا
2 يونيو 2007
المصدر : الانباء
بقلم : ناصر الخالدي
ناصر الخالدي
ليس هناك أصعب من لحظة الوداع وليس هناك خبر أكثر فاجعة من خبر الموت وقد يهون كل شيء ولا يهون الموت، فكم تساقطت في المقابر دموع وانطفأت في البيوت شموع؟ تهتز من الحزن أرواحنا عندما نحمل الأحبة على أكتافنا ونرحل بهم إلى الوحشة والوحدة والظلام ثم نرحل عنهم بعد أن بلغ اليأس فينا مبلغه، فمن منا لم يشيع غاليـا؟ ومن منا لم يدفن حبيبا؟ ولو تأملت الدنيا فستعرف حجم المتناقضات فيها، فكلما مات أحد وارتفع الصراخ وعلت أصوات النادبين ولد مولود فتهللت الوجوه وتبادل الناس التهاني فنحن ما بين مولود يولد وميت يموت ومازال في نفسي شيء من الأحبة الذين رحلوا فقد مات جدي وكنت أقول كيف أعيش من غيره؟ ثم ماتت جدتي فعشت من دونهما واستمرت حياتي مــــع أنني ما تمنيت من الدنيا شيئا من عودتهما وأعــلم علم اليقين أنهما لن يعودا.
لماذا لا نعرف قيمة الأم إلا بعد أن نفقدها فنجلس عند قدميها ونبكي ونتأسف؟ وقد كانت تنادينا فنصد عنها ونعرض ولا نبالي، هذه الأم الكريمة التي سهرت الليل الطويل وتنازلت عن النوم وعن الراحة بعد أن حملتنا في بطنها تسعة شهور وانتزعتنا من أحشائها انتزاعـا ثم أرضعتنا من صدرها ولم تكن تريد منا إلا الاحترام فذاقت منا العذاب ولم تشتك، ورأت منا أصناف الهوان ولم تعترض هذه الأم الحنونة التي إن أرادت منا شيئا فقد أعطتنا أشياء، فكم حملتنا، وكم حمتنا من برد الشتاء وحر الصيف، وكم أطعمتنا وسقتنا، ولو أسعفتني القريحة لكتبت عن ذلك المشهد الذي رأيته في أحد المستشفيات عندما كان الأبناء والبنات ينتظرون خروج الطبيب ليطمئنهم عن حالة أمهم فخرج ليقول «البقاء لله» جميعهم بكوا فبكيت معهم ونظرت فإذا الوجوه مكتئبة والنفوس أكثر اكتئابا، ثم سمعت صوتا يقول «يمه سامحيني غرتني الدنيا» وبدأت لحظة المواساة واشتبكت الدموع، فليس من أم إلا وتتمنى أن ترى أبناءها في صحة وسعادة ألا تستحق هذه الأم منا الزيارة والقبلة والهدايا؟
لماذا لا نعرف قيمة الآباء إلا بعد أن نفقدهم فنتذكر الكلمات والنصائح والتوجيهات ونبكي على أيام العقوق والعصيان ونتمنى حيث لا فائدة من التمني، فكل شيء يدل على أن الموت حقيقة لا وهم وأن الرحيل هو أكبر دليل، فعطاء الآباء لا يختلف عن عطاء الأمهات فكم استقرت على محيا الآباء ابتسامة يوم بدأنا أولى خطواتنا في الحياة وهل تلك اللحظات تنسى؟ ورغم الشدة والعصبية فقلوبهم علينا من الرحمة تفيض ولكنه خوف الآباء على مستقبل الأبناء.
إذا كانت أمك على قيد الحياة فسارع لتقبيل يدها وطلب رضائها ولو كانت مريضة أو أحسست أنها مزعجة بكثرة الطلبات فتذكر أنك كنت مزعجا بأفعالك وتصرفاتك وحركاتك ولم تتذمر منك يوما فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ لا تتأخر ولا تتهاون في ذلك واحرص كل الحرص على رضائها فلا تغرك الدنيا ولا تنشغل عنها طرفة عين فان كانت تحتاج إليك اليوم فقد كنت أحوج ما تكون إليها بالأمس.
وإذا كان أبوك على قيد الحياة فلا تجعل بينك وبينه خلافا أو سوء تفاهم، اغتنم اللحظات وبادر بتقبيل رأسه وكن له كما يريد فقد كان لك فوق ما تريد لا تتردد في الاعتذار فانه قد يأتي عليك يوم لا تقدر فيه على الاعتذار ووقتها لن ينفع الندم.
ليس في الناس من يحبك مثلما يحبك والداك وليس هناك من يرضى بعيوبك كما ترضى بها أمك، وتحت قدمي كل أم جنة فما بالنا لا نقبل هذه الأقدام التي طالما مشت من أجلنا، أتبلدت المشاعر فينا؟ الأم دنيا من الحب والحنان والأمن والسكينة فهل ندرك ذلك؟ أم ننتظر التراب يحوي هذه الدنيا التي كانت تحوينا.
لو نظرت إلى الأيتام صبيحة يوم عيد لعرفت قيمة الأبوة فأنت لا تدري ماذا يوجد بداخل اليتيم من حزن وألم، وإذا جاء مساء العيد وتسابق الأطفال إلى الملاهي فستجد أطفالا أيتاما فقدوا لذة العيد ولم تعد عندهم أي قيمة للحياة.
باقة أزهارفي الحقيقة ودون أي لون من ألوان المجاملة شعرت بنوع من السعادة والاطمئنان عندما دخلت إلى المركز التخصصي لطب الأسنان بمستشفى الفروانية، حيث وجدت النظام والترتيب إلى جانب الهدوء، الأسلوب الرائع من قبل مدير المركز د.داود الخليفة وكذلك الموظفات المخلصات في مكتب المدير، ولا استثني أحدا من العاملين في هذا المركز، فكل الشكر والتقدير لهم.