قرأت قصصا كثيرة عن بعض الأطباء الذين كانوا شعراء أو كتبوا الشعر في أكثر لحظة شاعرية، وهي بالمناسبة ليست قراءة (منهجية) بل حب المطالعة والقراءة الذي جعلني أتنبه إلى هذه الصلة الغريبة!
يا لها من لحظة آسرة فعلا، اللحظة التي يلجأ فيها الطبيب إلى النظم، حين يعجز عن وصف المشاعر التي تكون في لحظتها، فيستدعي لغة أكثر رقة وهي لغة الشعر كالجراح ميتشيل Mitchell أو حين يريد طبيب حاذق مثل ابن سينا أن يعلم الطب بطريقة غير تقليدية، فيكون هنا سؤال يطرأ على البال، لماذا يستعيض الطب عن لغته العلمية بلغة الشعر أحيانا؟
1 - رونالد روس
كان الطبيب البريطاني رونالد روس من ضمن الأطباء الذين أوفدوا للعمل في الخدمة الطبية الهندية، كانت الملاريا في ذلك الوقت تحصد أعدادا هائلة من السكان والجنود، دون أن يعرف أحد كيف ينتقل هذا الطفيل الصغير من مصاب إلى آخر، وفي العام 1897م اكتشف سبب ذلك، بعد أن رأى تحت المجهر طفيل الملاريا ينمو بداخل نوع من أنواع البعوض اسمه «الأنوفيل» أدرك حينها أن هذا النوع من البعوض هو السبب، في اليوم التالي كتب قصيدة وأرسلها إلى زوجته قال فيها أنه يشعر بأن الله وضع بين يديه (شيئا عجيبا).
في ختام القصيدة يقول روس:
O death، where is thy sting؟ Thy victory، O grave؟
وكأنه يتحدى الموت فهو يقول: أين لدغتك أيها الموت؟ وأين ضحكتك أيها القبر؟
2 - سيلاس دير ميتشيل
أقــام مستشــفــى ماساتشوستتس M. G. H. في مدينة بوسطن احتفالية كبيرة في العام 1896م، بمناسبة مرور 50 عاما على أول عملية جراحية يستخدم فيها مخدر Ether، كان الطبيب «سيلاس» وهو رائد علم الأعصاب في الولايات المتحدة من بين الحضور، كان له رأي آخر، آثر الحديث على إلقاء قصيدة كان عنوانها «The Birth and Death of Pain» ولو كنت حاضرا، سأعلن أنها أي القصيدة هي (الحفل) ولا نحتاج بعدها إلى إلقاء أي كلمة إضافية، القصيدة التي أعلن من خلالها ميتشيل انتصار الطب على الألم أثناء العمليات الجراحية.
وهو يقول في خاتمتها «سأترجمها بتصرف»: لن تأتي، عبر السنين، ساعة أعذب من تلك الساعة، حين تجتمع الآمال والشكوك والمخاوف، وفي صمت عميق، ترقبت عقلا متوثبا أعلن بإرادة إلهية، موت الألم.
3 - أوليفر وندل هولمز
بعد اختراع السماعة الطبية عام 1816م من قبل الطبيب الفرنسي رينيه تيوفيل، وانتشار استخدامها بين الأطباء، بعد أن كان الفحص يعتمد بشكل كبير على ما يعرف بـ «الفحص السريري»، كتب الطبيب «أوليفر وندل»، وهو أكاديمي وأديب ويعد من أشهر الأدباء في القرن 19، قصيدة ساخرة عام 1848م أي بعد مرور 32 عاما على اختراع السماعة الطبية، تتحدث كلماتها عن التحول الكبير الذي أحدثته هذه الأداة في طريقة التشخيص! ولم تكن القصيدة احتفالا بالاختراع الجديد، لكنها أشبه بمحاكمة وعنوان الجلسة فيها الطرفة والسخرية والتأمل المهني، وفي مقطع منها يؤكد على ضرورة ألا يستغني الطبيب عن الفحص السريري، لأنه هو المهم والأدق:
Now use your ears، all you that can،
But don’t forget to mind your eyes..
4 - ابن سينا
الحديث عن شخصية ابن سينا صعب جدا، فهو الشيخ الرئيس الذي احتل مكانة عظيمة في تاريخ الفكر والطب، كان له تعلق واضح بالأدب، ولديه قصائد تنسب له بالفارسية وأخرى بالعربية، وكثيرا ما استخدم النظم لعرض بعض العلوم، وهو معلوم لدى الكثيرين، ومن وجهة نظري أعظم ما نظم أرجوزته في الطب، التي ترجمت إلى اللاتينية وصارت تدرس في الجامعات الأوروبية عدة قرون.
سأضع هنا بيتا مما أعجبني، وبإمكان القارئ أن يقرأ النص كاملا في الانترنت، قد تجاوزت أبياتها 1300 بيت، نصا تعليميا ضخما، استفادت منه أوروبا لسنوات، كما ذكرت لك سالفا عزيزي القارئ:
الطب حفظ صحة، برء مرض
من سبب في بدن منه عرض