تابعت عن كثب ما سطر بجريدة «الأنباء» في عددها رقم 12203 الصادر يوم الجمعة الموافق 12/3/2010 بصفحته الأخيرة من جريمة ارتكبت يوم العيد الوطني لدولتنا الأبية، وتتلخص وقائع تلك الجريمة في ان احد الشباب المستهترين، والذين لا يعبأون بحياة المواطنين والذي لا رادع لهم، كان يقود سيارته في حالة سباق مع آخرين احتفالا بهذا العيد ونظرا لاحتفال الأمة الكويتية بهذا العيد وخروج الكثير من الأطفال للمشاركة فيه تصادف مرور الطفل «بدر» فدهسه بسيارته فأرداه قتيلا ولم يقف لإسعافه أو نقله إلى احد المستشفيات القريبة، بل هرب من جريمته كالسارق الذي يسرق ويهرب خوفا من أن يشاهده احد، تلك هي الواقعة التي سردتها الأم المنكوبة في طفلها من خلال حديثها في قناة «سكوب» وذكرت ان الطفل في حضانتها شرعا وانها مطلقة من والده وان الأخير يحاول التنازل عن الدعوى مقابل مبلغ من المال معروض عليه من أهل القاتل، إلا انها لا تريد هذا التنازل، لقد هزتني تلك الدعوى وما تحتويه من مشكلة قانونية أحب أن أشير إليها الآن بسؤال أطرحه: هل لوالد الطفل ان يتنازل عن تلك الدعوى (القتل الخطأ)؟ الإجابة ستكون بالإيجاب باعتباره وليا على الطفل وهذا يجوز شرعا، إلا انني أصطدم بسؤال آخر يطرح نفسه، ولماذا لا يكون للأم حق رفض هذا التنازل باعتبارها حاضنة له؟ الإجابة ستكون بالإيجاب أيضا لأن لكل من الطرفين مصلحة ومن حق الأم باعتبارها حاضنة قانونا عملا بالمادة 154 من قانون الأحوال الشخصية رفض هذا الصلح.
إننا أمام حقين، حق الأب وحق الأم، فأيهما نرجح؟ لا شك اننا اذا رجحنا صفة ومصلحة الأب فإننا نصطدم بالقانون ان الطفل في حضانة الأم قانونا ولها الحق في رفض التنازل عن تلك الدعوى باعتبارها أقرب الناس اليه. إنني لا أستطيع ان أغلب أمر على آخر وهناك المسألة ستكون تقديرية للقاضي الذي ينظر القضية، لأن التنازل في كل الأحوال لا يكفي الدعوى العمومية والتي تتعلق بالحق العام، حق المجتمع، حتى اذا كان ولي الأمر (صاحب الحق الخاص) تنازل عن حقه فإن هذا التنازل بلا شك سيكون له تأثيره على تقدير العقوبة لدى القاضي وفي حالة التنازع في التنازل كذلك هذا الأمر يدخل في تقدير المحكمة او القاضي الذي ينظر الدعوى.
وهنا نلاحظ ان المادة التي تعالج مثل هذه الجرائم وهي المادة 154 من قانون الجزاء والتي تقول «من قتل نفسا خطأ او تسبب في قتلها عن قصد بأن كان ذلك ناشئا عن رعونة او تفريط او إهمال او عدم انتباه او عدم مراعاة للوائح يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز الثلاث سنوات وبغرامة لا تتجاوز ثلاثة آلاف روبية أو بإحدى العقوبتين»، وبملاحظة هذه المادة (النص) نجدها مادة عامة قديمة الصياغة تحتاج الى تعديل وتشديد بالعقوبة بالنسبة للجاني الذي يمتنع عن مساعدة المجني عليه او المصاب رغم قدرته على ذلك، ولهذا فإننا نطلب من المشرع (المجلس) ان يعدل هذه المادة ويشدد العقوبة قبل الأشخاص الذين يهربون ويتركون قتلاهم بلا مساعدة او محاولة لإنقاذهم.
أما ما هو وارد في قانون المرور من عقوبات على المخالفات الجسيمة مثل من قاد سيارة حالة تعرض حياة الأشخاص للخطر أو فوق الحد الأقصى او غيرها من المخالفات فإن جميعها لم تتصد لهذا التصرف الا وهو الهروب، الذي يتطلب تدخل المشرع لتشديد العقوبة فيه.
وفي النهاية المطلوب من المشرع (المجلس) بشكل عام والقاضي المعروض عليه القضية ان يغلب اعتبارات الصلح العام وحق المجتمع لأن لهما الأفضلية على حق اي من طرفي الدعوى (الأب والأم) وهذا التوجه سيناصر توجه الأم ورفضها للتنازل لأنها فقدت فلذة كبدها ولا يهمها المال قدر ما يهمها ان تنال ممن سولت له نفسه التلاعب بأقدار الناس وأرواحهم وأن ينال عقابه ليكون عبرة لغيره، الا ان الأمر في النهاية قضاء وقدر، والمسائل التقديرية هذه بالنسبة للجاني والمجني عليه ومصلحة الجميع والمجتمع الأقدر على تقديرها قاضي الموضوع، واضعا في اعتباره كل هذه المصالح بموضوعية بعيدا عن العواطف التي تكون متأثرة بفجاعة الحدث.
[email protected]