شمس هذا العام شمس أشرقت.. وأرض شرقت..أصوات ودماء.. من أجل الحرية.. هل كذبت؟
هل الثورات العربية ثورات دينية أم مدنية؟
الثوار بين الحرية والدين..
نساء الثورات لسن خيراً من رجالها..دماء وأصوات
أشرقت شمس عامنا هذا ـ على دماء عربية كثيرة.. شرقت بها الأرض.. وشهقت بها أحشاؤها.. وحزنت ـ
وعلى أصوات عالية - ضجت بها السماء وما ضجرت-..
سالت تلك الدماء.. من أجل الحرية..
وعلت هذه الأصوات.. تطلب الحرية..
***
فهل من علت أصواتهم.. وشقت كبد السماء وأبكت نجومها..
وهل من قدموا أرواحهم على مذبح الحرية هم - فعلا - يريدون الحرية؟
***
وهل عرف الذين سالت دماؤهم.. والذين علت أصواتهم مجلجلة في السماء.. هل عرفوا جميعهم معنى الحرية؟
هل عرفوا حدودها وأبعادها؟
هل هم يطلبون الحرية ـ فعلا ـ أم أنهم يطلبون شيئا آخر لا علاقة له بالحرية التي يطالبون بها؟ وربما هو معاكس لها في المعنى وفي الاتجاه.. ويسير في خط مضاد لخط سيرها..
وما الحرية المطلوبة إلا لفظ يلفظونه.. لا معنى يقصدونه..
***
أكاد أجزم من ناحيتي بأن الحرية ليست أمرا مطلوبا عند أغلب المتظاهرين الثائرين العرب الذين أرخصوا دماءهم.. وبحت أصواتهم ـ في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية ـ طلبا للحرية..
هذا الاستنتاج جاء نتيجة تلمس الخط الذي سار عليه أولئك الثائرون.. وكذلك كمحصلة للاقتراب من أفكارهم ومنطلقاتهم الفكرية والثقافية والاجتماعية..ومتابعتهم أثناء ثوراتهم وبعدها..
***
أولى الملاحظات على «بعض» طلاب الحرية العرب..ربطهم الدين بالحدث السياسي.. وغلبة الخطاب الديني في الحديث الثوري..
والدين - على رغم أهميته وضرورته في حياة الفرد - فإن هذه الضرورة وتلك الأهمية مقيدتان في الخصوصية الفردية.. ومقيدتان لحركة الفرد في حركته العامة.. وفي التحرك الجمعي..وذلك لكون الدين شأنا فرديا.. وليس هو بالشأن الجماعي..
***
هذه الحقيقة ربما غابت أو غيبها الكثيرون.. ومنهم طلاب الحرية الذين يصرون - أو أن بعضهم على الأصح يصر - على ربط تحركهم السياسي ببلوغ الهدف الديني.. الذي لم يكن هو - في حقيقة الأمر - السبب في تحركهم وفي ثورتهم.. بل إن السبب فيما دفعهم إلى الثورة هو واقع سياسي دنيوي فاسد.. طغى سياسيا.. وتجبر سياسيا.. وظلم وتعسف ونهب وسجن وقتل وأمعن في الفساد.. وكل ذلك تم في إطار سياسي بعيد كل البعد عن الدين.. بينما صفحته الدينية كانت بيضاء براقة.. في وجهها الظاهر على الأقل..
***
سواد الواقع وفساده - إذن - هو الذي دفعهم إلى الثورة.. وليست قلة تدين النظام السياسي ولا سوء تطبيقاته الدينية.. ولم يقل أحد من ثوار الدول الثائرة إن دافعه إلى الثورة كان دينيا.. ثم إن التعددية الدينية وبالذات في مصر وسورية كانت حاضرة ولا يمكن تغييبها.. والثوار كانوا من ملل مختلفة.. ولم يكن الدين أشعل منارته ليجذب الثوار إلى الثورة.. ولم يئن أو يصرخ مستنجدا بالثوار لنجدته..
وأظنني في غنى عن القول.. بأحقية المسيحيين بالثورة أكثر من أحقية المسلمين بها - فيما لو أخذنا الثورة على المنحى الديني - على اعتبار إحساس المسيحيين بنقصان حقوقهم في بعض تلك البلاد.. أما المسلم فلا غبن ولا انتقاص من حقوقه الدينية..
فلم يكن النظام التونسي..تدخل في الصلوات الخمس.. وما أنقصها ليجعلها اثنتين.. وما زادها لتكون عشرا..
ولم يمنع النظام المصري الحج على (من استطاع إليه سبيلا)..
ولم يلغ «القذافي» «الشهادتين»..
ولم يجرم «الأسد» مؤدي الزكاة..ولا مستحقها..
كما لم يحرم الرئيس اليمني المبتور «صوم رمضان» ولا النوافل..
هذه الحقائق تلزمنا - إذن - بالإيمان بـ «وطنية» الثورات.. لا
«دينيتها»..
***
ولكن هل الخطاب الثوري كان متسقا مع هذه الحقائق وناسجا على منوالها؟..
أم أن بعض «الثوار» - من منتظري الرغيف وهم قابعون في بيوتهم حتى ينضج.. دون أن تجود افواههم بنفخة واحدة على ناره..إذكاء لهذه النار.. واستعجالا لإنضاج الرغيف المعجون - لهم «خطاب ثوري» آخر يريدون من خلاله إلباس الثورات لبوس الدين ليحصدوا نتاج ثورة لم يبذلوا - فيها ولا لها - نقطة عرق واحدة.. تجود بها جباههم الداكنة من أثر السجود - ولا أقول قطرة دم - لأن دماءهم «أسمى وأكرم» من أن تسيل في سبيل الوطن والحرية والكرامة والديموقراطية الحرام «التي لا يكون فيها الحكم لله»..
إنما دماؤهم محفوظة ليوم «الجهاد الأعظم».. الذي يعلنون فيه دولتهم لتشمل أرجاء الأرض كافة وتصير معها الأرض كلها دار إسلام وسلام..ولا تقوم لدار الكفر قائمة..
***
إن خذلان الثورات العربية واضح.. لأن الشعوب العربية ليست طلابة حرية.. وليست طلابة ديموقراطية وسيادة وحق.. بل هي عاجزة عن تقديم مشروع حياتي إنساني.. لذلك تلتحف بالدين وترى فيه مخرجا من ورطتها وتحللا من عجزها أمام واقع يفرض الحرية على كل من أراد أن يعيش تحت الشمس وفوق الأرض..
***
لقد فعلت الشعوب العربية أيام الاستعمار والاحتلال - ما تفعله اليوم وهي تحت حكمها الوطني - فلقد قدمت - زمن الاستعمار - الأرواح والدماء والتضحيات في سبيل الحرية والاستقلال وطرد المستعمر..! فماذا فعلت بالحرية والاستقلال.. بعد أن تحققا لها ونالتهما..؟
هل حققت – فعلا - مشروعها الوطني التنموي القائم على ما كان ينقصها - وهما الحرية والاستقلال - اللذان كانت ترى فيهما السلم الموصل إلى المجد؟
هل زرعت في حقل الحرية؟.. وهل بذرت وسقت حديقة الاستقلال؟
ما الذي فعلته الشعوب العربية حين تحققت لها السيادة الوطنية؟
إننا - وما أبشعنا - نزدري الحقيقة إن حدثتنا بما لا يليق لسمعنا.. وبما لا تطرب له آذاننا..
وهذه الحقيقة المزدراة البشعة.. تقول لنا إنه بعد خروج المستعمر وتحقق الاستقلال وتمكن الشعوب العربية المحتلة من قرارها الوطني ومن سيادتها على أرضها.. ساءت أوضاعها وتراجعت وتخلفت وزادت فيها الأمراض والأمية والجهل.. وتوسعت فيها المعتقلات وكبرت السجون وزادت أعداد قاطنيها ومرتاديها..
وعرفت تلك البلدان بعد تحررها ونيلها الاستقلال.. وهي تحت «حكمها الوطني».. عرفت الحكم الفردي والديكتاتورية ودخلت تحت مظلة «الزعيم الأوحد» الذي تهتف له الأمة - جبرا وإلزاما - في كل محفل.. بدءا من طابور الصباح المدرسي وليس انتهاء بممثلي الأمة وقادتها ونخبها..
في زمن الحرية المطلوب ذاك.. حُرّمت الحرية وجُرّمت وصارت المطالبة بها ترقى إلى الخيانة الوطنية.. وهذا ما هو حادث اليوم في تلك الشوارع العربية الثائرة..
إن مطالبة تلك الشعوب بالحرية.. تعادل وربما تفوق الخيانة الوطنية.. في حساب تلك الأنظمة «الوطنية».. التي واجهت شعوبها بالنار والرصاص الحي والدبابات..وحتى الطائرات.. إنها حرب تقودها «الأنظمة الوطنية» ضد شعوبها.. هذه هي ثمرات الاستقلال والتحرر الوطني!
هذه «الحرية» المزعومة.. هي التي جعلت بعض الحكام الحاليين الذين تثور عليهم شعوبهم منذ أشهر طويلة.. يستعملون أسلحتهم الثقيلة والخفيفة كافة.. لقتل شعوبهم وتطاردهم جيوشهم.. شارعا شارعا.. وميدانا ميدانا.. وبيتا بيتا و«زنقة زنقة» - حسب تعبير أحد هؤلاء الحكام «الوطنيين».. الذين ملت كراسيهم طول مكوثهم عليها..فكيف إذن لا تملهم شعوبهم؟
وهذا ما يجعلنا ـ مع الأسف ـ على شبه ثقة بأن الشعوب العربية تعيش حالة التباس في فهمها للحرية التي تطالب بها وهي ـ فعليا ـ ليست بحاجة إليها لأن الحرية.. ليست داخلة ضمن تكوينها الثقافي ولأنها لا تحسن استغلالها.. ولأن هذه الحرية.. هي معنى هلامي عند هذه الشعوب..
***
تلك كلها مؤشرات تؤكد أن المنتوج المنظور للثورات العربية لا يبشر بالخير الذي نتوخاه منها.. ولن تُحسّن ـ هذه الثورات ـ الواقع العربي.. ولن تؤسس لواقع تسود فيه الحرية الحقيقية التي توطد أركان العدل والمساواة في المجتمعات العربية.. ولن تقضي على الديكتاتورية والحكم الفردي والفساد السياسي والاقتصادي والثقافي بما يحقق الرفاهية والكمال.. لأفراد المجتمع.. ولتتساوى الرؤوس ويتم القضاء على التمييز بسبب الدين أو لأي سبب آخر.. وتذوب الفوارق الاجتماعية ويتحول المجتمع إلى كتلة واحدة بلا فوارق ولا امتيازات..
***
هذا الواقع المضيء لا تريده الشعوب العربية ولا تهفو إليه ولا تعمل على تحقيقه.. لأنها شعوب شكاءة بكاءة..لا تريد الخلاص وإن ادعت انتظاره!
ولعل خير دليل على ذلك هو ما حدث في مصر ـ بعد الثورة ـ حيث خرجت أصوات دينية ـ سواء كانت سلفية أو غيرها من ذوي التوجهات الاسلامية ـ تنادي بإقامة الدولة الإسلامية وتمادت في ذلك الاتجاه.. فحولت أقوالها إلى أفعال حين راحت تمارس باليد وبالقوة.. بعض مظاهر الدولة التي تريد إقامتها.. فأحرقت الكنائس واعتدت على المواطنين المسيحيين المصريين.. وقطعت أذن أحدهم.. فضلا عن الاعتداء على بعض المزارات الدينية الإسلامية.. التي يلتمس فيها بعض العامة صلة ما بالدين..
وهذا يدلل على درجة التطرف وضيق صدور حملة الفكر الديني حتى بالمتشابه معهم ومن يحاذيهم ويجاورهم ويجاريهم في المركب ـ ذاته ـ الذي يركبونه.. فكيف ستكون نظرتهم لمن يخالف أفكارهم إذن؟!
فمثل هؤلاء الناس لا يحملون فهما حقيقيا لمعنى الحرية.. بل إن مفهوم الحرية عندهم يقتصر على حريتهم هم.. وإخضاع الناس لفكرهم المتطرف والإقصائي.. وتعميم أسلوبهم على الكافة والعموم.. وسلاحهم في ذلك القتل لمن لا يطاوعهم..
نحن ـ إذن ـ إزاء ديكتاتورية دموية بشعة تهون عندها تلك الديكتاتوريات التي قامت عليها الثورات..
***
ولو قلّبنا صفحات النساء العربيات «الثائرات» فإنها تحدثنا بالعجب العجاب.. وبما لا يقل سوءا عما حدثتنا به صفحات الرجال..
النساء اللواتي ملأن ساحات الثورات العربية وميادينها وهن مدجّجات بالسواد الكامل أو الجزئي لا أدري أي حرية خرجن يطلبنها؟.. وهن اللواتي قيدن أنفسهن بأنفسهن وحبسن أنفسهن داخل ذلك السواد الذي لم يجبرهن النظام الذي ثرن عليه على التدثر به!
فما هي الحرية التي تريدها أولئك النسوة.. وهن اللواتي منعن أنفسهن حق التمتع بحرية بسيطة متاحة لهن.. لم ينازعهن عليها أحد؟
قد تقول قائلتهن - وهي محقة - إن الالتزام بالحجاب أو النقاب أمر ديني - أو أننا فهمناه كذلك - ولتلك القائلة أقول: إن الثورات «فرض كفاية» لا «فرض عين».. والرجال يسدون فيها عن النساء..
ثم أسألها.. هل أمركن الدين بالخروج من بيوتكن.. وملء الشوارع والاختلاط بالرجال والاحتكاك بهم.. فتتعرصن - ربما - لمسٍّ أو لمسٍ أو غمز أو لمز.. وهذه - في القياس الديني - أنتن ممنوعات عنها.. والدين قد حصنكن منها؟!
ثم إن كانت ثورتكن دينية - لا دنيوية ولا وطنية - فلا أظن في بلدانكن من حجر عليكن دينكن.. ولا من عراكن وأنتن كاسيات.. ولا من أخرجكن من بيوت قررتن فيها.. قريرات العيون.. ناعمات البال.. يا ذوات الخدور..
ومن أرادت الحرية منكن.. كان عليها أن تضرب المثل بنفسها وتمارس حرية لم يمنعها عن ممارستها أحد..
ومن لم تتحكم بحرية ملبسها.. فلا أظنها مؤمنة بالحرية.. أو صادقة في طلبها..
***
إن مفهوم الحرية الذي استقر في أذهان أبناء العصر.. وفي ثقافة هذا العصر.. وما وصلت إليه الأمم من مفهوم الحرية.. والذي من المفترض أن الشعوب العربية الثائرة تهدف إلى بلوغه.. يتخالف كثيرا.. مع كثير من التعاليم الدينية ويتناقض معها.. وهو - عطفا على ذلك- مفهوم متحرك.. وقابل للتطور والارتفاع.. بينما التعاليم الدينية.. ثابتة لا تتحرك ولا تتغير ولا تتبدل.. وهذا ما يؤكد وجود إشكالية في إمكان التجانس بين الثقافة الدينية.. والمفهوم العام للحرية..
***
إذن فإن الحرية ليست هي المطلوبة لا عند رجال الأمة ولا عند نسائها.. وان العادات العربية الاجتماعية.. والسلوك الثقافي المستقى من الثقافة الدينية السائدة يقفان عائقا بين العرب والحرية..
وهي إشكالية لن تتجاوزها الشعوب العربية بإشعالها ثورات تسقط حكاما «عصريين» فاسدين.. لتحتكم إلى الشارع وتُحكّمه.. رغم غياب هذا الشارع عن الواقع وعدم فهمه ماذا تعني الحرية..
[email protected]