«خالد بن الوليد»..مازال حيّاً..
البحث عن بطل.. داء عربي..
ماذا سيخرج من ركام الثورات العربية؟
الفرصة مهيأة لظهور بطل بلا سيف ولا خيل..
أبواب مصر
من جديد أدق أبواب مصر..
برفق أدق تلك الأبواب التي كانت قد لاطفتها يداي الطفلتان
ـ آنذاك ـ لأول مرة قبل أكثر من نصف قرن..
كان العام 1957 وكنت في صباي المبكر.. أتطلع للاكتمال الرجولي.. أحمل في رأسي أحلاما أكبر منه كثيرا.. ويضيق بها حتى كأنها تتبعثر خارجه.. أو تروح في جولة سرية.. تحوّم في الليل وتطوّف في النهار..
كانت مصر ملء سمعي وبصري وملء كياني كله..
أحفظ أغانيها وأفلامها وأسماءها ونجومها ونجوعها وقراها وحواريها وأسواقها..
أعرف صحفها وكتابها وفنانيها وسياسييها ورساميها.. وكل نَفَس من أنفاسها المتطايرة المبثوثة في كل مكان..
مصر مؤثرة في كل مكان.. وفي كل نفس باحثة عن تأثير إيجابي يغذيها من أجل حياتها..
عامذاك ـ القديم ـ الذي تجاوز عمره نصف القرن.. كانت مصر في نظري في كامل عافيتها وتمام صحتها..
فـ «زعيمها الخالد البطل».. الذي إن نطق بكلمة واحدة تضعضع الغرب.. ورقص الشرق.. وانتحب المستعمرون.. وبكى المحتلون.. وارتعدت أوصال الإمبريالية.. وتهدمت ركائز الصهيونية..
أقول هذا «الزعيم البطل الخالد» على رأس مصر وعلى رأس العرب أجمعين.. وللتو قد خرج «منتصرا» من حرب «العدوان الثلاثي» ومن محاولة «اغتياله» في ميدان المنشية في الإسكندرية.. وقد أمم قناة السويس وجعلها خالصة مالصة لمصر وللمصريين.. ودعا المصريين لرفع رؤوسهم في صرخة خالدة مجلجلة تهز الأسماع وترجها صائحا «ارفع رأسك يا أخي».
***
شلّة عيال
لاح فجر الحرية والاستقلال والعدالة الاجتماعية والكرامة والمساواة والحق والإصلاح الزراعي..منذ فجّر «البطل الخالد» ثورته الخالدة وبعدما تخلص من الباشوات وأذناب الاستعمار والرجعيين وحطم قواعد الملكية وطرد الملك ثم حبس رئيسه وشريكه في الثورة أو القائد الحقيقي للثورة «محمد نجيب» الذي لولاه ما كان «عبدالناصر» ولا كانت شلّة «العيال» والذين يسمون بالضباط الأحرار الذين حكموا مصر بعد استيلائهم عليها فجر الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 وبعد طرد الملك فاروق وتنصيب ابنه أحمد فؤاد كملك تحت الوصاية وهو الأمر الذي انقلب عليه من قرّروه ونكصوا ليلغوا الملكية برمتها ورميمها ويجعلوا من أنفسهم مجلسا لقيادة الثورة.. وملوكا جددا على عرش مصر.
في مثل هذه الصورة الوردية كنا نعيش مصر وهكذا كنا نراها.. فلم يكن من مصدر للمعلومة وللحقيقة إلا ما كان يصدره عبدالناصر وما ينطق به..
فهو البطل الوحيد.. وهو الثائر الوحيد وهو مفجر الثورة والبقية مجرد أتباع.. هو الذي يرسم لهم أدوارهم ولم يكونوا يتصرفون الا بأمره وبعد إذنه لهم.
***
الغش اللذيذ
كنا مغشوشين ولكنه كان غشا لذيذا وربما مطلوبا..
كنا أطفالا نتأثر بـ «الشو».. ونحب الاستعراض وكان عبدالناصر ملك الاستعراض في تلك الفترة القاهرة..ساعده على ذلك إعلام محترف وذكي وماهر.. «يعمل من الفسيخ شربات» كما يقول أهل مصر في عاميتهم المحببة واللذيذة والمرحة.
وإعلام عبدالناصر لم يكتف بجعل الفسيخ شربات.. بل جعل النيل كله شربات سائغات ملونات.. وجعل من مصر كلها شربات في شربات.
كنا نصدق كل شيء يصدر عن عبدالناصر وإعلامه..ولا نرى في الباطل باطلا ولا نتجنبه.. بل إن الباطل كان حقا مادام صادرا عن عبدالناصر وفي خدمته..
ألغينا عقولنا وانجرفنا وراء عواطفنا وتهيؤاتنا وخيالات لا تقر على سطح الواقع.. ولكننا مكنّاها منّا وأسكنّاها عقولنا..وباتت هي ما تراه عيوننا وتتمناه عقولنا.
***
ولكن.. أين الكبار؟
وإن كنا في ذلك العهد القديم أطفالا لم تنضج بصائرنا ولم تتحدد بعد رؤانا الواقعية ومازالت خطانا غبر ثابتة على الأرض التي تميد بنا «على حسب الريح».. فإن اللوم لا يقع علينا في تصديقنا لأساطير عبدالناصر وشطحاته وتهويلات إعلامه وانجذابنا إلى شخصيته الكاريزمية الأخاذة لعقول غرة غير ناضجة مثل عقولنا الطفلة الساذجة.. ولكن اللوم كله ينصب على الكبار ذوي العقول الناضجة الذين انسحبوا طوعا إلى حبائل عبدالناصر وصدقوا أراجيفه وآمنوا بأفعاله الضارة المدمرة..وكان أكثر إعجابنا بعبدالناصر وحبنا له مصدره تأثير الكبار علينا وتوصيل شخصيته إلى عقولنا الصغيرة بمثل هذه الصورة من الإعجاب والحب المدمر غير العاقل وغير الرشيد.. إنه حب طفولي غير رشيد ولا حميد ولكن.. ما هو عذر الكبار المكتملي النمو العقلي والمدركين والعارفين أو الذين يفترض أنهم عارفون ومدركون وراشدون؟!
سامحهم الله وغفر لهم..وإن كنت أجد لهم العذر في أن أعمارهم الكبيرة وتجاربهم العديدة لم تبن لهم حصنا فكريا يحميهم من غزو الخرافات والأساطير والأكاذيب ويسمح لهم بالتمييز بين الحق والباطل وبين الصدق والكذب وبين المعقول واللامعقول وبين الصح والخطأ..
لم يكن ثمة نضوج عقلي وكان الناس العرب في سبات فكري..ولكن مع الأسف مازالوا فيه.
***
المدخل الترابي التراثي
رغم كل تلك الكلمات التي زادت على الستمائة.. فإنها لم تحو حرفا واحدا من بيت القصيد وراء ما أكتب اليوم..
فلم أهدر حبر قلمي اليوم لنبش قبر عبدالناصر ولا لرجم عظامه المتربة ولا لتعليق لافتات الرفض والإدانة والكراهية لرجل مات منذ أربعين عاما ويزيد..
ولكنما أردت بهذا المدخل الترابي التراثي الوعر.. أن أقول إننا كعرب حاضرنا أمسيٌّ وواقعنا تاريخي.. وان عبدالناصر مازال حيا فينا وبيننا ويحكمنا حتى اليوم.. لأن عبدالناصر لم يكن رجلا.. ولكنه فكر وثقافة ونظرية عربية موجودة قبل عبدالناصر ومستمرة بعده.
***
«بن الوليد» حي
عبدالناصر مازال موجودا لأن «خالد بن الوليد» مازال موجودا.. ولأن «صلاح الدين» مازال موجودا..ولأن «عمرو بن كلثوم» شاعر القبيلة ولسانها الصدّاح مازال موجودا.
وفي المقابل لأن «أبا لهب» و«أبا جهل» وكفار قريش كلهم مازالوا موجودين ومازلنا نلعنهم كل يوم..
إذن فإن العرب أمة متخلفة بالمعنى التاريخي وأيضا بالمعنى الفكري والثقافي..
أمة تنسج يومها على منوال أمسها ولا تفكر في غدها لأنها تظن أن لا غد لها أو أن غدها محسوم بالنصر لها.. ولا أدري على من سوف تنتصر.. ولا من هو الذي يحاربها؟
أمة صبت قدراتها كلها على صنع البطل وتعيش عصورها كلها في صناعة البطل.. والأبطال عندها لا يفنون مثل أعدائها..
البطل خالد.. والعدو خالد..
خالد بن الوليد «البطل» مازال خالدا..
وأبو لهب «العدو» مازال خالدا ايضا..
مازال التحسر على «صلاح الدين» يحرق صدور الامة.. مثلما لايزال الحقد على «ريتشارد» يحرق صدورها.
***
شهادة
مناسبة كل هذا الذي أكتبه بكثير من الحسرات.. زيارتي الاخيرة الاسبوع الفائت ومطلع هذا الاسبوع لمصر العزيزة.. وما جرى من هجوم على مقر السفارة الاسرائيلية في القاهرة.. حيث كنت «نصف شاهد عيان» على الحادث الذي بدأت خيوطه الاولى وملامحه المبكرة امام عيني.. حيث كنت وابنتي «يسار» نتناول غداءنا في احد المطاعم النهرية.. في ضفة النيل الغربية.. وقريبا من موقع السفارة الاسرائيلية القائمة في احدى العمارات في المدخل الغربي لكوبري الجامعة.. ولم يكن يفصلنا عن موقع الحادث إلاّ مسافة من مئات قليلة من الامتار.. فاذا بنا نسمع جلبة على شكل مظاهرات وهتافات بالكاد نسمع ضجيجها دون تفاصيل عباراتها، قادمة من المدخل الشرقي للكوبري.. وخمّنت حينها ان المتظاهرين متجهون الى السفارة الاسرائيلية لاعلان موقف او للاحتجاج، وما ساعد على ذلك الظن ان عدد المتظاهرين لم يكن كبيرا.. وكانوا لا يتجاوزون العشرات.. وانصرفت بعد ذلك عن المشهد ثم انصرفت عن المكان الى مكان مجاور قضينا فيه بعض الوقت وحتى قرابة التاسعة ليلا.. ولما كان طريق عودتنا الى مهجعنا ومقر اقامتنا يحتم علينا المرور على موقع الحدث فقد اتاح لي هذا العبور السريع ان ارى آثار بعض ما كان يحدث، وأوّلها العطلة والزحام المروري الذي حدث بسبب كثرة المتجمّعين سواء من المتظاهرين او من المتفرجين على المشهد.. حتى كان صباح اليوم التالي لتأتينا الاخبار مفصلة عما حدث وما نقلته كاميرات التلفزيون والصحافة من حرق وتكسير وهدم للجدار «العازل» والذي بني قبل ايام قليلة من اجل منع المتطفلين من الوصول الى السفارة التي هي في حماية الحكومة المصرية والتي يقع عليها واجب حمايتها.
هذه الصورة لها علاقة واتصال مباشر بالكلام السابق.. وهو ضمور العقل العربي وتوقفه عند المنعطفات التاريخية وعدم ايجابيته وتعاطيه مع الواقع وتناسل العداوات وتوريثها واستمرار البطل حيا رغم موته ورغم عدم بطولته كحالة عبدالناصر مثلا!
ثم ان اكثر ما يزعج في العقلية العربية هو ضرورة وجود بطل او صنع بطل.. وعادة ما يكون هذا البطل جعجاعا دون طحن.. اي ان بطولته صناعة كلامية وجعجعة في الفضاء مليئة بالتهديد والوعيد اللذين يبدآن بـ «سوف».. وتمر السنون والعقود ويموت «البطل» دون ان تتحقق «سوف» واحدة من «سوفاته» الكثيرة.. ومع هذا يظل بطلا في تلك العيون الشاخصة في البطل الذي تهابه وتخاف منه ولا تحبه ولكنها لا تدرك ذلك.. لا تدرك أنها تخاف من البطل لانه جزار ودموي.. وأنها لا تحبه ولكن خوفها منه هو الذي اوهمها بأنها تحبه وهو الذي ركز بطولته في عيونها وقلوبها.
***
أبطال العالم الحديث
العالم الحديث لا يصنعه الابطال المحاربون بل يصنعه اصحاب العقول المفكرة والناضجة والمبدعة في مجال الاقتصاد والسياسة وبناء المجتمعات وانتشالها من حالة التردي والفقر والجهل والمرض ليجعلوا منها مجتمعات حية نشيطة منتجة.
نرى البطل الحقيقي في صورة «لي كوان يو» الذي اخرج بلاده «سنغافورة» من حالة الهوان والتردي والفقر والجوع والتخلف والبلادة لتكون بلادا منتجة وغنية وشعبا اسطوريا في البناء والتنمية.
ونرى البطل الحقيقي في صورة «مهاتير محمد».. باعث الحياة في «ماليزيا» وجعلها من البلدان المنتجة والغنية من خلال ابتداعه لخطط اقتصادية وصناعية وتنموية جعلت من بلاده نمرا آسيويا وذات اقتصاد قوي.
وتتعدد صور «الابطال» الحقيقيين الذين لا يتشرفون بحمل لقب «بطل» الذي يحمله كثير من الزعماء العرب الذين اوردوا بلادهم المهالك.. والذين تسلّموا بلدانهم جنات وارفة.. واقتصاديات مرتفعة.. وصناعات وزراعة وانتاجا قويا وثقافة وعملة قوية وشعبا منتجا.. ليحوّلوها الى خرائب وزرائب وعشش للفساد السياسي والمالي وسجون ومعتقلات وديكتاتورية ودموية وحكم بوليسي شمولي.
هكذا فعل عبدالناصر بمصر وأسس لهذا الشكل البشع والاستبدادي للحكم.. وتبعه في ذلك كل من جاء بعده من الحكام الانقلابيين سواء في العراق او اليمن او سورية او ليبيا او السودان.. ليكون النموذج الناصري في الحكم هو المسطرة التي تقاس بواسطتها «بطولة» الحاكم وشعبيته وجماهيريته.
***
الثورات المنسوخة
من المفترض او ما يجب ان يكون هو ان الثورات التي قامت في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية والتي نتمنى مثلها في الجزائر والسودان.. ان هذه الثورات قد قامت للتخلص من ذلك النوع من الحكم الاستبدادي الرجعي القائم على فكرة العداوات الوهمية لدول اخرى او معسكرات سياسية اخرى مثل الامبريالية والصهيونية والاستعمار في حالة عبدالناصر وهي العداوات التي صنعت بطولة عبدالناصر ومن تبعه من الحكام الانقلابيين العسكريين.. لنرى بعد ذلك ان هؤلاء الحكام ماتوا او اسقطوا عن عروشهم وثارت عليهم شعوبهم بعد عقود من السنين دون ان يفعلوا شيئا في سبيل دحر اولئك الاعداء او تحرير الاراضي المغتصبة او الدخول في حروب مدروسة مضمونة النصر.. فعبدالناصر مثلا خاض ثلاث حروب هزم فيها كلها.. حرب 1956 وحرب اليمن وحرب 1967 فضلا عن فشل وحدته مع سورية..
ولكن ومما يؤسف له ان الثورات التي قامت في بعض البلاد العربية في هذا العام، قامت لتعيد نسخ التاريخ من جديد على المنوال ذاته.. معاداة الصهيونية والامبريالية واسرائيل وأميركا ودول المعسكر الغربي.. ولعل ما حدث في القاهرة الجمعة السابقة من تعد على السفارة الاسرائيلية خير دليل على ان الشعوب العربية غير قادرة على الخروج من بوتقة اللطم والتحسر والانكفاء على الذات والعجز عن الانتاج الحقيقي، لذلك هي تلجأ الى التلهي بالعداوات الخارجية تحت حجج واهية وكاذبة مداراة لواقع عجزها.
والظروف الحالية في هذه البلدان العربية التي قامت فيها ثورات، توفر فرصة حقيقية لولادة «بطل» وطني لا على شاكلة «عبدالناصر» والقذافي وصدام حسين بل على شاكلة «مهاتير محمد» و«لي كوان يو».. بطل يهتم بالتنمية الاقتصادية ويجعل من بلاده مركزا اقتصاديا مهما ويوفر فرصا وظيفية حقيقية لا وهمية ويملأ بلاده بالمصانع المنتجة ويعيد الخضرة الى اراضيها الزراعية ويفتح نوافذ بلاده على العالم كله ويغلق نوافذ العداوات المصطنعة.. ليتفرغ للبناء الداخلي والتنمية والبناء!
فهل سيظهر هذا البطل بين ركام هذه الثورات؟
[email protected]