«البصرة».. بين مسيحييها.. وملالي إيران..
زمن كان بهياً.. وزمن كالح..
القبح سيّد.. والجمال سجين مستعبد..
ليس من طاغية يصنع طغيانه بيديه..
من يصنع طاغوته.. عليه أن يتحمل طغيانه..
الشعوب هي التي تصنع طغاتها..
«البصرة».. والزمن المر..
«البصرة».. حاضرة الشعر..
وحاضنة الشعراء..
ومئذنة المكبّرين..
ومدرسة النحويّين..
***
بنت النهر وأمّ النخل..
وحديقة العاشقين..
وكأس الندامى..
«البصرة».. بعضها - لا كلها - أو بعضها المتأخر.. بل قليل من هذا البعض المبعّض.. مازال - ومنذ ستين عاما - يحتل جزءا صغيرا من ذاكرتي..
خضرتها.. نهرها العذب.. نخلاتها المدليات ذهبها.. تفاصيلها الملونة.. حياتها المزركشة..
هذه العناوين.. مازال شيء منها طريح الذاكرة.. وقيد التذكر..
وفي دفتر الزمن غير المقروء.. كان ذلك المكتوب..
أكتب عن البصرة التي مازال شيء من بعضها في الذاكرة..
***
كان الطريق من الكويت إلى البصرة عامذاك واقصد عام 1952 شاقا ومضنيا وقد يكون مهلكا أيضا..
كان طريقا بريا متربا رمليا.. السيارة السائرة فيه عرضة لأن يبتلعها.. أو ان يحل بها كل مكروه مما تتعرض له السيارات وبالذات سيارات ذاك الزمان وأقل تلك المكاره أن تنغرز عجلاتها في الرمل فتحرن وتأبى أن تتحرك لأن الرمل قد بلغ منها مبلغه.. وسدّ منافذ التحرك وأغلق سبله .. ولا من منجد ولا من منقذ.. حيث الطريق مقطوع من السيارات لقلتها ـ أولا ـ ولتعدد الجادات والمسالك التي تسلكها السيارات ـ ثانيا ـ فليس هناك طريق مرصوف ومعبد وموحّد يأخذ إلى الجهة المقصودة كما نعرف في طرقنا الحالية.. بل كانت جادات متعددة وحسب خبرة السائقين فالسائق الماهر وذو الخبرة العريقة في الطريق يعرف أهون الطرق وأسهلها وأقلها مخاطر والسالكة والمأمونة أكثر من غيرها.. أما السائق الغشيم قليل الخبرة وقليل التجربة فقد يعرض سيارته وركابها إلى شيء من أهوال الطريق..
***
وفتح أبناء جيلنا أعينهم على ما يسمى «تكسي البصرة» وكانت سيارات موحدة الشكل والصنع وتتميز بارتفاعها قليلا.. ويبدو أنها كانت سيارات قوية قادرة على مواجهة أخطار الطرق الرملية والصمود أمام عاتياتها..
***
زرت البصرة للمرة الأولى بصحبة والدي رحمه الله.. وإذا ما نحيّت أهوال الطريق ومخاوفه وصولا إلى البصرة والحلول فيها.. فإني سأتحدّث عن أمر عجب.. أو عن عجائب ما كان لخيالي الطفل آنذاك أن يتخيل وجودها على سطح الكرة الأرضية.. فإذا بها «حذفة عصا».. قريبة منا بل وأقرب المدن إلينا..
انبهاري بالبصرة عام 1952 أشد من انبهاري بنيويورك - مثلا - التي زرتها للمرة الأولى عام 1977..
في البصرة مطاعم ومقاه وكازينوهات وفنادق ودور سينما..
شوارعها معبدة مرصوفة تحيط بها الأشجار على جوانبها.. ونهر عذب جار.. وأنوار تتلألأ ليلا.. فتجعل المدينة كعروس تزف إلى فارسها الأول.. والناس هناك غير الناس في بلادي فيما يلبسون ويسلكون ويعملون ويأكلون.. ونساؤها غير النساء اللائي الفتهن عيناي في بلادي.. يخرجن إلى الشوارع والأسواق بكامل زينتهن.. يتماهين وزينة بلادهن.. ولسن جواري محبوسات بالسواد.. كنساء بلادي آنذاك..
وفي صغرنا سمعنا من أهلنا قولا مأثورا لم تنسه ذاكراتنا وهو «عمار يالبصرة.. مايك حلو وبقلك على السيف»..
عيني الكويتية الصغيرة - آنذاك - لم تر في الكويت شيئا من ذلك..
كانت خارطة المدينة الكويتية «خبط عشواء».. ونكش فراخ في رمال صامدة..
وكانت الكويت بجلها وجليلها.. وقضها وقضيضها.. قرية مجلببة بالغبار وبالنسيان ومتدثّرة بما حاكته أيدي الأولين من قدمائها.. ومتّشحة بما نسجته الأزمنة التي مرت عليها.. وأبقتها حيث هي في جلباب جد جدتها.. ولم يَحكْ لها الزمن الحديث رداءه بعد.. بينما البصرة فلتت من قيد الزمن وتفلتت من ربقة الجمود.. وهفت سريعا إلى العصر وتلونت بألوانه الزاهية ولبست جديدة وتحدثت بلسانه..
لم تنس أنها حاضرة قديمة.. ولكن قدمها لم يمنعها من شرب كأس الحياة والخوض في مياه الدنيا وارتشافها والاغتسال بها..
***
ما أنهض ذاكرتي واستدعى سنين ستين مغبرات غابرات.. وأحضر «البصرة».. قفزا إليها.. هو مقال قرأته مؤخرا لمن أسمى نفسه بـ «ابن البصرة».. وخصصه للحديث عن واقع البصرة الحالي الكالح والكريه والكئيب والأسود.. مقارنة بما كانت عليه البصرة في الأزمنة المولية وفي سنوات ما قبل الثورات والانقلابات.. وصولا إلى سيطرة الفكر الديني الإيراني عليها اليوم.. والخراب الذي حل فيها بسبب الإيرانيين.. وتجلّلها بالسواد وانجرارها وراء النطح والبطح..
***
ويخص «ابن البصرة» فيما كتبه.. مسيحيي البصرة في أزمنتها المشرقة ودورهم في ذاك البهاء البصري وقيادتهم لدفة التحديث والتجديد وإلباس البصرة أزياء الحداثة.. فيحكي عمّن افتتح أول دار للسينما في البصرة.. وكان مسيحيا من أبناء البصرة.. وعن أجمل مطعم.. وأول سوبر ماركت.. والمحلات الراقية التي تبيع بضائع الماركات العالمية.. وكل تلك الريادات كان وراءها مسيحيون بصريّون..
وكذلك يمثل مسيحيّو البصرة - آنذاك - الطبقة المثقفة فيها والأكثر تعليما أيضا..
ويتحسر الكاتب على مصائر أولئك المسيحيين البصريين الذين أخرجوا من مدينتهم تحت طائلة التهديد والإرعاب والتخويف والتشكيك.. ما اضطر أغلبهم إلى الهجرة وترك موطن أجدادهم الذي احتله الغرباء الإيرانيون لا لشيء إلا بدافع التوحد المذهبي وسيطرة الفكر الإيراني المذهبي على مقاليد البصرة بل على العراق برمته..
ويأمل الكاتب - ولا أوافقه على أمله - ان البصرة ستعود كما كانت حاضنة ثقافية وبؤرة إشعاع من جديد وسيعود مسيحيوها يُغنُون بساتين دهرها.. وذلك ما لا أوافق عليه الكاتب.. لأنّ القبح إذا تسيّد تصلّب وتصخّر وتحجّر واستوطن العيون والقلوب.. فلا يتزعزع ولا يتزحزح ولا يتحرك قيد انملة.. ولا ولن يغادر مكانه..
والقبح مملكة لها ملوك طغاة.. وسادة جبارون غلاظ القلوب..
وفيها عبيد راسفون في أغلال عبوديّتهم.. أولئك وهؤلاء.. هم سبب ديمومة هذا القبح..
والجمال بنعومته ورقته.. والانفتاح بسماحته ورقيّه.. لن يستطيعا محاربة القبح والبشاعة والتخلف..
فلا تأمل يا «ابن البصرة».. أنّ نهر البصرة سيعود عذبا يلحس سكره المذاب ليجري يسقي بساتين عطّشها الزمن الثوري .. والزمن الإيراني..
ولن تعود نخلاتها مثقلة بذهبها المكوّر.. ولن تخلع نساء السواد سوادهن الباكي..
لن تعود البصرة كما كانت.. ولن تكون بغير ما هي عليه الان..
القبح سيّد.. والجمال عبدٌ سجين..
***
كيف تصنع طاغوتك
الشعوب هي التي تصنع طغاتها.. وتلبسهم حلل الآلهة.. وتحيك من جلودها سياطا لهم لتلهب ظهورها..
وليس من طاغية صنع طغيانه بيديه.. بل إن الناس هم الذين خلعوا عليه تاج الطغيان.. ومنحوه رخصة إذلالهم وجلدهم..
واليوم تكتب الشعوب العربية - أو بعضها - صفحات جديدة من تاريخها.. ولم تكن كتابة هذه الصفحات الجديدة عملية سهلة ليّنة.. بيضاء لا سوء فيها.. بل قدمت لها نزفا بالدم.. وبأرواح أزهقت.. وبعرق نزّ كثيرا من جباه تعلو و لا تنخفض..
كل ذلك من أجل ألاّ تعيش تحت ظلال الطواغيت والجبابرة والظُلاّم والجلاّدين..
***
واليوم.. يحل على كرسي الرئاسة في أربع دول عربية.. هي تونس وليبيا ومصر واليمن رؤساء جدد.. جاءوا من رحم ثورات تعمدت بالدم.. وتطهرت بأرواح شريفة..
وليس هناك من يعتقد أو يظن. أن هؤلاء الرؤساء قد جاءوا مضمرين الشر لشعوبهم.. أو انهم جاءوا يجلسون على أرائك الطغاة.. حاملين سياط الجلادين.. ولم يتلبسوا أردية الزعماء والأبطال..
بل هم موقنون تمام اليقين.. ومدركون إدراكا تاما كاملا.. أن شعوبهم قد جاءت بهم ليتولوا مناصب رئاسة الجمهورية.. وليؤدوا دورا وظيفيا رفيعا في بلدانهم.. ولم يأتوا في سبيل الرسوخ في ذاكرات شعوبهم وليتحولوا إلى أساطير لم تكتبها الكتب ولم ترسمها الأزمنة..
***
ويتحتّم على شعوب هذه الدول مساعدة رؤسائها على ما انتووه.. وما استبطنوه من حسن نية.. ومن إدراك لمفهوم الرئاسة المقيّدة وغير المطلقة .. وما وعوه من أن الرئاسة لا تعدو كونها وظيفة يؤديها الرئيس وينصرف من بعد أدائها بلا نية للخلود - لا على كرسي الرئاسة.. ولا حتى في الذاكرة الشعبية ـ وهذا يقتضي من تلك الشعوب عدم الاصطفاف في الشوارع لتحية «الزعيم الملهم» الذي جادت به السماء عليها.. وعقمت أرحام النساء من بعده فلم تنجب بمثل نجابته.. وأن الشمس قد ازورّت وهربت إلى مخدعها بعدما شعت ببهائها عليه وحده لتجعل «طلعته بهية».. وتكتفي بها طلعة بهية واحدة ووحيدة..
وليصمت الشعراء.. ويسكبوا محابرهم دواء للأرض.. ويكسروا أقلامهم.. ويبلعوا ألسنتهم.. فلا يدبّجوا القصائد المذهبات بالسيد الرئيس وبالزعيم الخالد وبالبطل الذي تخشاه ساحات الوغى.. وتجفل الخيل المحمحمة.. كلما أقبل.. أو زأر زأرة تشق الوديان وتحفر فيها الأخاديد..
وليوقف كتّاب الصحافة السلطانية الكتابة عن حكمة السيد الرئيس ونظرته الثاقبة وفصاحته وبلاغته وحنوه وعطفه ورحمته..
وليتسول المغنون ويمدّوا ألسنتهم.. بعيدا عن تمجيد السيد الرئيس ومدحه في غناء مبحوح منحور..
***
إن الشعوب التي تهتف لرؤسائها.. «بالروح بالدم نفديك يا..».. لن تستكثر على هذا الرئيس إن هو امعن في حز رقابها.. وفي ظلمها.. وبنى عرشه من جماجمها..
أليست هي التي طلبت ذلك؟..
ألم تفتديه بأرواحها ودمائها؟
إذن ما الذي عمله السيد الرئيس غير أنه حقق مرادها واستجاب لما طالبت به.. ولما بُحّت حناجرها وهي تهتف به وتردده..
***
هذه الشعوب هي التي صنعت طغيان رؤسائها.. بتذللها لهم وإهدار كراماتها في سبيل رؤسائها.. فهل يحق لمثل تلك الشعوب أن تشكو من ظلم رؤسائها وطغيانهم.. وهي التي حاكت عباءة الخلود لهم!
***
إن لون الزمن القادم.. تمسك أقلامه أيدي تلك الشعوب.. فإمّا أن تلوّنه بالأسود الكالح.. أو انها تلوّنه بالأبيض الزاهي البهي..
وبأيديها أن تصنع من رؤسائها طواغيت وأصناما خالدة.. في زمن سيكون لونه أسود..
أو أنها تلون بالبياض حياتها.. فلا تمجد رئيسا.. ولا تصنع زعيما عابرا لقارات الزمن.. ليحل راسخا في دائرة الخلود!
والشعوب. تكتب أقدارها بأيديها هي.. ولتكفّ أيدي رؤسائها عن كتابة أقدارها..
ولا شك أن تلك الشعوب قد أدركت ذلك قبلي ووعته.. وإلاّ ما كانت أشعلت نيران ثوراتها لتنير مستقبلها.. وترسمه باللون الأبيض.
ولن تبدل تلك الشعوب طاغية بطاغية..
هذا ما يقوله المنطق.. وما وعته الشعوب.
[email protected]