أجمل عيدية حصلت عليها في ثاني أيام العيد وامتدت لثالثه هي سهرة غنائية من «تلفزيون الوطن» كانت لعمالقة الفن في الكويت، الشاعر محمد الفايز، يرحمه الله، والمبدع الخجول الموسيقار غنام الديكان، وصوت الصمود المطرب الفنان شادي الخليج، أطال الله في أعمارهما. إن اجتماع عمالقة الفن لا يفرز إلا فنا عملاقا، وإبداع أصيلا، إنه «أوبريت مذكرات بحار» كلمات صعبة للفايز، طوعها الديكان، وشد عليها أوتار الكمان، وفرش عليها صوت العندليب يشدو بها «شادي»، كلما قلت: هذا البيت جميل، وجدت ذاك الشطر أجمل، تدفق الإبداع، من كلمات ولحن وصوت، وإخراج تلفزيوني، لست بشاعر، ولا فنان، ولكن ينابيع التذوق والإحساس الفني، تفجرت في سمعي وبصري فجأة، شعرت بها تنفض حجرات قلبي، وتزيد في دقاته، كلما سمعت كلمات تراثية ومسميات بحرية مثل «الهير» وفلق المحار وغيرها، تذكرت كفاح آبائي وأجدادي وأهل الكويت وحياتهم الشاقة، وتذكرت انني رأيت سفنهم المختلفة وأدوات عملهم وفرشهم، وسمعت من ألسنتهم صنوف الشقاء والأهوال في معيشتهم، وسألتهم وسمعت الجواب، ورأيت الدليل والآثار، وفهمت المعاني، ولكن كيف بأبنائي والأجيال القادمة، بالنسبة لهم ستصبح قصص ألف ليلة وليلة، يقول الاوبريت: «ها نحن عدنا ننشد الهولو على ظهر السفينة، ها نحن عدنا، عدنا للمدينة ها نحن عدنا يا كويت لشواطيك الأمينة» هذا الجزء فقط، قصة وحده، أنا على يقين بأن الشاعر والملحن والمطرب عاشوا مع البحارة على ظهر السفينة بتقمص شخصياتهم وأدوارهم (إن إنشاد الهولو يبدأ بمغادرة الوطن ثم «يعاد» الإنشاد عند العودة) تستشف من اللحن وأصوات الآلات الموسيقية والكورال فرحة العودة، ويبشرك الشادي بالعودة بعذوبة صوته وقوة بأسه ورقة شعوره وإحساسه، ثم يشرق صوت الكروان سناء الخراز الذي ينساب رقة ونعومة كخيوط الذهب في البشت الأسود، العمل متكامل جدا ولن أنسى رمز الإبداع في الكويت مخرج الأوبريت الوزير السابق محمد السنعوسي ومساعده احمد البقشي وسليمان الخراز والموسيقار سعيد البنا، وطلبة وطالبات المدارس وموجهيهم، الكل أبدع، سيكون هذا الاوبريت علامة في تاريخ الفن الكويتي سنتذكره جيلا بعد جيل.
سيسأل القارئ لماذا اخترت هذا الموضوع للكتابة فيه بعد مرور أكثر من ربع قرن؟ القارئ على حق والسبب:
* أن العمل الجيد كالعطر أو الطيب يزداد طيبا وفوحا كلما مر عليه الوقت، لذلك يجب علينا كمستمعين أن نبدي إعجابنا فعليا، ونكافئ من يرتقي بذوقنا الفني ويحترمه، إن الفنان كتلة من الإحساس المرهف، كلمة حلوة تشجعه، وتكون له وقودا لإنتاج أفضل، لذلك نرجو المعذرة على التأخير.
* أقترح على رئيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم الشيخ ـ والراعي ـ شركة VIVA للاتصالات أن ينتقوا من هذا الاوبريت مقاطع وكوبليهات وبنفس اللحن تكون صيحات رياضية تهز الاستاد الرياضي مثل (ها نحن عدنا ننشد الهولو)، (يمشي على الدانة «الأزرق»).
وأخيرا رحم الله الشهيد محمد الفايز، وشكرا يا أبا خالد، وشكرا يا أبو علي المفرج وأطال الله في أعماركما وبانتظار إبداعاتكما.
أخلص التعازي والمواساة للكويت عامة وأسرة المنصور العرفج خاصة بوفاة الفنان القدير منصور المنصور نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته ويلهم أهله الصبر والسلوان.
[email protected]