يقولون إن الزمن «دواء» لكنني اليوم، وأنا أقف على أعتاب ذكرى تلك المحطات التي زلزلت كياني، أدرك أن هناك وجعا لا يغادر، بل يزداد ايلاما في عروق الذاكرة. ليس الحزن ضعفا، بل هو وفاء أبدي لمن رحلوا وتركوا في أرواحنا فراغا لا يملأه حضور. هي محطات فارقة، لاتزال ترسم عليها خارطة أيامي، رغم مرور الزمن.
أتذكر ذلك الاتصال الأول، رن الهاتف ليغير تعريف «الحياة» في لحظة. كان صوتا ينبئني خبر رحيل والدتي، تلك العابدة الزاهدة التي كانت بوصلتي ومرساتي. في تلك اللحظة، لم ينهز جدار من جدران المنزل، بل انهار سقف كان يظللني بدعوات لا ترد. كان «يتم الرجال» الذي لا يشيخ، ذاك الشعور الغريب بأنك أصبحت فجأة مكشوفا أمام عواصف الحياة بلا درع. يومها، لم تكن الصدمة هي سيدة الموقف، بل «يقين الوجع» فقد ودعتها قبل أن ترحل، وتعلمت أن أعظم دروس القوة هو «الرضا».
ظننت أنني رتبت جراحي، حتى جاء بعد عامين رنين هاتف جديد. رقم دولي ومسافة شاسعة وصوت يحمل صاعقة لم تكن في الحسبان. رحيل شقيقتي الدكتورة سلوى.. رحلت في الغربة، بعيدا عن أحضان الوطن، في لحظة كانت هي في أوج عطائها ونبل هدفها. كانت هذه المحطة أشد إيلاما لأنها لم تمنحنا ترف الاستعداد. هنا، امتزج ألم الفقد بمرارة حيرة السؤال إذ راحت الحسابات الوهمية تنسج أوهاما حول سبب الرحيل، مما جعل روحي في مواجهة لا مع الموت فحسب، بل مع غموض جارح، ظل عالقا في ذاكرتي حتى بعد التسليم المطلق بقضاء الله وقدره.
في ذروة تلك المحطات، حين كان الصمت يطبق على روحي وتتدافع في خاطري حوارات لا تنتهي مع طيف والدتي وشقيقتي، وجدت بلسما لا يندمل أثره. لقد كان التعاطف الغامر الذي تلقيته من أبناء الكويت كافة، قيادة وشعبا، هو الملاذ. لم تكن مجرد تعزية عابرة، بل كانت «وطنا» بأكمله يلتف حول قلب كاتب موجوع. تلك التسهيلات الرسمية الرفيعة التي مكنتني من استعادة جثمان شقيقتي، ودفء مشاعر الناس من كل أطياف المجتمع، جعلتني أدرك يقينا أننا في الكويت لا نرحل وحدنا، بل نحمل في أكفاننا محبة أمة تفيض بالرحمة.
اليوم، وبينما تمر الذكرى، أجدني أحاور أطيافهم في خلوتي أعاتبهم على سرعة الرحيل، وأشكرهم على بقاء الأثر. لاتزال الحيرة في «سر الرحيل» تعشش في ركن ما من ذاكرتي، لا اعتراضا على مشيئة الخالق فالحمد لله على كل حال بل لأن الروح البشرية فينا تتوق دائما لسكينة الحقيقة.
لقد تصالحت مع الحزن، لم يعد عدوا أطارده، بل رفيقا يذكرني بأن الحياة أضيق من أن نحمل فيها حقدا، وأنها أقصر من أن نؤجل فيها كلمة حب. رحم الله من رحلوا، وأبقى الله لنا هذا الوطن الذي يعلمنا، في كل محنة، أننا بفضل تكاتفنا قيادة وشعبا، نكبر ولا ننكسر.
[email protected]