كنت مع أحد الأشخاص ذات مرة وأنا أرتدي نظارة، فقال لي: «نظارتك ليست جميلة على وجهك». لم أبدِ لرأيه اهتماما، لأنني كنت مقتنعا بأنها جميلة ومناسبة لي.
وبعد فترة من الزمن، ربما نسي ما قاله، أو شاء الله أن يعلمني درسا من خلال هذا الموقف، فقال لي الشخص نفسه: «نظارتك جميلة».
حينها وقفت متسائلا: لماذا قال في المرة الأولى إنها ليست جميلة، ثم عاد بعد فترة ليقول إنها جميلة؟ مع أن كثيرا ممن حولي كانوا يرون أنها مناسبة وجميلة منذ البداية.
وليس المقصود من هذا المقال أن النظارة جميلة أم لا، وإنما الحديث عن بعض الناس الذين اعتادوا استنقاص الآخرين والتقليل من شأنهم.
ففي حياتنا اليومية نصادف أشخاصا لا يترددون في إطلاق الكلمات المحبطة أو التقليل من إنجازات غيرهم، وقد لا يعلمون أن كلمة واحدة قد تترك أثرا في النفس يستمر طويلا.
ومن الأمثلة على ذلك أن شخصا تخرج في جامعة معينة، فيقول لطالب يدرس في جامعة أخرى: «جامعتك ليست ذات تصنيف عال».
وما الفائدة التي سيجنيها هذا الطالب من مثل هذا الكلام؟ أليس يكفي أنه يجتهد ويسعى لطلب العلم في جامعة معتمدة؟
في كثير من الأحيان لا يكون الهدف من هذه العبارات تقديم نصيحة أو توجيه نقد بناء، بل إيصال رسالة غير مباشرة مفادها: «أنا أفضل منك».
والحقيقة أن الإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى التقليل من الآخرين ليشعر بقيمته، لأن قيمته الحقيقية تنبع من أخلاقه وأعماله وإنجازاته، لا من محاولاته التقليل من نجاح غيره.
أما من يعتاد الانتقاص من الناس، فإنه يعيش في صراع داخلي مستمر، فلا يفرحه نجاح الآخرين، ولا يسعده أن يراهم يتقدمون أو يحققون ما يتمنون، فيبقى أسير المقارنات السلبية التي لا تنتهي.
وأمثال هؤلاء المحبطين لا يدركون أن التقليل من الآخرين لا يرفع من شأنهم، بل يكشف ما في نفوسهم من ضيق وانشغال بالناس أكثر من انشغالهم بتطوير أنفسهم؛ فكلما نقى الإنسان قلبه من الحسد وسوء الظن، وفرح للناس بخيرهم، زاده الله راحة وتوفيقا ومحبة بين الناس.
وكم من شخص فقد ثقته بنفسه بسبب كلمة مستهزئة، وكم من شخص تغير يومه بأكمله بسبب كلمة طيبة صادقة.
لذلك لا تنتقصوا من الآخرين، ولا تكونوا سببا في إحباطهم أو كسر خواطرهم، بل تمنوا لهم الخير وشجعوهم وادعموهم.
فمن أحب الخير للناس رزقه الله من فضله، ومن زرع الكلمة الطيبة حصد المحبة والاحترام.
فالكلمة الطيبة صدقة، وإدخال السرور على قلوب الناس من أجمل الأخلاق وأعظمها أثرا، وما أجمل أن يكون الإنسان سببا في رفع معنويات الآخرين لا سببا في كسرها.
[email protected]
Y_ALotaibii@