أحد الدعاة نشر خبرا على صفحته مفاده «افغاني يلقي محاضرة في مقر للشرطة الأفغانية يتحدث عن التسامح، وفجأة قام جندي اميركي كان متواجدا بين الشرطة واستل مسدسه ووجه فوهته نحو المحاضر الأفغاني وأطلق النار عليه ليرديه قتيلا قائلا: هكذا نمارس التسامح على الطريقة الأميركية»، وما ان ألقى الداعية الشهير هذا الخبر في صفحته حتى تفاعل معه عدد كبير من المتابعين له، وصبوا جام لعناتهم على أميركا، ولم يتوقف الداعية الغاضب بعد تفاعل متابعيه عن شتم اميركا بل اورد مجموعة من الكتب المعادية لأميركا وقال بأميركا ما لم يقل مالك في الخمر، وشتم أميركا وأم أميركا وقدم عرضا تاريخيا للمجازر التي ارتكبها الأميركيون في التاريخ السياسي الحديث.
بعد ساعة بثت وكالة أنباء تصحيحا للخبر الذي أورده الداعية وهو أن المدرس الأفغاني هو من أطلق الرصاص وأردى جنديين أميركيين كانا يستمعان لمحاضرته.
الداعية عندما وصله تعديل الخبر، لم يعتذر عما أورده من خطأ في الخبر المغلوط بل كتب على صفحته الجملة التالية «لابد أن الأفغاني أقدم على فعلته لسبب ما».
الداعية عندما كان يعتقد ان الضحية هو المدرس الأفغاني شرشح أميركا واستنبط من التاريخ أسوأ ما كتب عنها ولم يذكرها لا هي ولا أهلها إلا بكل شر، وعندما تبين له أن أخانا المسلم الأفغاني هو القاتل، اكتفى بمحاولة تبرير فعلته وكأنه يسوغ للقتل الذي كان قبل تعديل الخبر يحرمه على الأميركيين.
لا مبرر للقتل غدرا، سواء كان الضحية اميركيا او أفغانيا، كما انه لا مبرر لازدواجية العرض التي قدمها الداعية الفاضل الذي رأى قتل الأفغاني حراما وقتل الجنديين الأميركيين مسألة فيها نظر.
عدم وجود مبدأ ثابت للحكم على ذات القضية يعني وجود خلل في التفكير، بل خلل عام في التعاطي مع مسألة واحدة وكأنه يقول إذا كان الضحية مسلما فلا يجوز أما إن كان الضحية أميركيا غير مسلم فهنا نتعاطف مع الجاني وننسى الروح التي أزهقت، كان يمكن ان نتعاطف مع الجاني فيما لو توافرت لنا معرفة ظروف وملابسات الحادثة، أما وإن الخبر جاء مغلوطا كما أورده الداعية أول مرة وعاد ليصححه مبتورا ناقصا، فلا يحق لا له ولا لغيره التعليق عليه او حتى الإفتاء بجواز القتل او عدمه.
الداعية والذي لا أزال احترمه هو من بين أكثر الدعاة الذين أعرفهم واتابعهم وسطية بل وعقلانية، ولكن بقصة نقله نبهني إلى أمر هام هو ان الأميركيين ليسوا وحدهم من يكيل بمكيالين، بل نحن المسلمين أيضا نكيل بمكيالين، كيف لا وهذا الداعية الأقرب إلى الوسطية قد اصدر حكمين مختلفين على ذات الحادثة وفي اقل من ساعة.
توضيح الواضح: المبدأ أصل المنطق، ومتى ما أصبحت المبادئ مطاطة فقل سلاما على المنطق وأهله وأبشر بالفوضى.
[email protected]