في عام ١٩٩٤ في بداياتي الصحافية التقيت بالفنان الراحل صالح الحريبي بصحبة مجموعة من أصدقائي الشعراء - في ذلك الوقت كان ثلاثة ارباع الكويتيين شعراء - وبدأنا نلقي قصائدنا الغضة الفتية المشاغبة أمامه.
ولا اعرف لماذا ترك الحريبي كل أصدقائي الشعراء الذين ألقوا قصائدهم أمامه وتوجه لي انا وحدي ودون غيري بسؤال: «هل تعتقد أنك شاعر؟!»، لحظتها تحرك بداخلي مارد الغرور وجوقة من شياطين الكبر وقلت له بكل ثقة: «نعم شاعر ونص».
هنا - ولا أعرف لم استقصدني دون غيري من الحضور - قال لي: «سأطرح أمامك بيتا من الشعر وعليك ان تفسر معانيه بما انك شاعر كما تقول».
وكان بيت الشعر لمحمد بن لعبون الذي ألقاه الحريبي امامي القائل:
يا ركب ما سرتوا بيوسف ليعقوب
قبل الفجر ينباج والليل غربيب
ما يستدير الدور منكم لمنيوب
الا وقد جريت رسم المكاتيب
****
بعد أن انتهى صالح الحريبي من إلقاء البيتين، كان حاجبي الأيمن قد بلغ غرتي، وقلت:
«لم أفهم شيئا».
عندها قال الحريبي: «من لا يستطيع تفسير الشعر الذي يسمعه لا يمكن ان يكون شاعرا، بل لا يمكنه ان يكون مثقفا».
****
تلك الليلة رحلت وغمائم اليأس فوق رأسي، ولكنني ورغم حالة الاحباط التي أصابتني جراء ذلك الاختبار الشعري المفاجئ والذي فشلت تماما في الإجابة عنه، عدت وبحثت وسألت حتى تمكنت من تفسير البيتين والمعنى الذي قصده الشاعر ابن لعبون فيهما، لم أستطع الانتظار وتوجهت الى رابطة الأدباء حيث كان لقائي الاول بالفنان الحريبي، وأبلغته بما وجدته من تفسير الأبيات، واذكر يومها انه قال لي: «يا ولدي.. الثقافة الأصيلة هي ان تفهم شعر منطقتك وتفسره وتكشف معانيه ومنها يمكن ان تصبح شاعرا».
****
ذلك الدرس الذي تلقيته على يدي الفنان والمثقف والأديب الرحل صالح الحريبي كان له دور كبير في تطوير حتى فهمي لكل المشاهد سواء الثقافية او السياسية او الاقتصادية، يومها اصلا لم أكن أعرف من هو ابن لعبون، ولكن الامتحان او بالاصح الصفعة الثقافية التي تلقيتها على يدي الراحل الحريبي جعلتني شخصا اكثر عملية في مجال تخصصي.
****
الراحل الاديب صالح الحريبي كان قامة كويتية أدبية، وله دور لا ينكر في تأصيل كثير من مناحي الفن الكويتي سواء عن طريق الأغنيات التي قدمها او بواسطة البرامج التراثية التي تصدى لتقديمها عبر شاشة تلفزيون الكويت، لم يكن مجرد مطرب اخر مر بتاريخنا، بل كان معلما ومؤرخا وموثقا لفنون المنطقة وليس في الكويت وحدها.
****
رحم الله صالح الحريبي وغفر له وتجاوز عنه وألهم ذويه الصبر والسلوان، وارى انه من اللائق على وزارة الاعلام ان تنتج برنامجا خاصا عنه وعن رحلته الثقافية الجميلة، فأمثاله لا يتكررون.
[email protected]