لديك شاحنتان لتوصيل الطلبات وكلتاهما يعمل عليهما ابناك كسائقين لهما، ومردودهما شهريا 500 دينار لكل منهما بعد خصم ثمن الوقود والزيت والصيانة الشهرية عن كل شاحنة (ولنفرض ان كلتا الشاحنتين تستهلكان وقودا وزيتا وصيانة ما مقداره 200 دينار شهريا)، اي ان دخلك منهما 1000 دينار كدخل ثابت لك، وتمنح لكل واحد من ابنيك راتبا وقدره 250 دينارا شهريا نظير عملهما كسائقين، ويعود لك 500 دينار ربحا صافيا من الشاحنتين.
الشاحنتان وبهذا القياس مشروع تجاري رابح، يدرّ عليك سنويا 6000 دينار، ويحقق عملا ثابتا مضمونا لولديك، فهل يعقل ان تقوم ببيع الشاحنتين «الرابحتين» بـ 6 آلاف دينار لشخص آخر، ليقوم بدوره باستئجار ابنيك لاحقا للعمل عليهما مقابل 100 دينار لكل منهما، وعذرك هو ان تخفف مصاريف استهلاك الوقود للشاحنتين؟!
هذا هو ما تنصح به وثيقة الإصلاح الاقتصادي الحكومية في بعض فقراتها لخصخصة بعض المرافق الحكومية الرابحة، لا بأس من تخلص الحكومة من الشركات الخاسرة، خاصة تلك غير الخدماتية، ولكن ان تتم خصخصة مرافق وشركات ناجحة فقط لان اداراتها سيئة، الامر هنا انه كان يفترض وبدلا من القفز الى الخصخصة كان الأجدر على الحكومة ان تقوم بالإصلاح الاداري للشركات او المرافق او القطاعات غير الرابحة وتغيير قياداتها وإصلاح هيكلتها لتتحول من شركات او مرافق مترهلة وخاسرة الى ناجحة، وهذا الامر اسهل من بيعها، فأن تبيع شيئا رابحا فقط لأنك غير قادر على ادارته هنا يعني ان الخلل منك انت وليس من الشيء الذي تنوي بيعه.
وثيقة الإصلاح الحكومي وبدلا من ان تقدم رؤية للإصلاح الاداري للشركات الحكومية والمرافق التابعة لها لجأت للحل الأسهل وهو البيع، وهذا الأمر لا يستقيم مع من يفكر بالربح، المشكلة لم تكن أبدا في المرافق الحكومية الخدماتية ولا الشركات الحكومية بل في الادارة، وكان يفترض ان تشير الوثيقة الى الإصلاح الاداري أولا في كل مرافقها وشركاتها ووزاراتها، لان باب الإصلاح الاداري هو ما سيحقق الربحية المستدامة، وليس البيع او الخصخصة.
نحن رأينا بعض حالات الخصخصة التي قامت بها الحكومة لبعض قطاعاتها، والتجربة اثبتت في الغالب ان الخصخصة لم تغير شيئا من مستوى الخدمات بل ان الأمر تحول الى ما هو أسوأ.
الإصلاح الاقتصادي لا يتحقق أبدا في اي رؤية من هذا النوع ما لم تكن تضم الإصلاح الاداري كأساس وبوابة رئيـسية للإصلاح الاقتـصادي.
كان يفترض بالحكومة ان تتدرج، وان تبدأ بوثيقة للإصلاح الاداري لكل مرافقها وشركاتها بل ووزاراتها، قبل ان تروج لنا وثيقتها للإصلاح الاقتصادي، اما البيع مباشرة فيثبت ان العقلية لا تسعى للإصلاح أيا كان نوعه، بل تسعى للبيع أيا كانت نتيجة البيع وتأثيراته على البلد ككل وعلى المواطنين خاصة ممن يشكلون القوة العاملة من تلك المشاريع.
توضيح الواضح: وثيقة الإصلاح الاقتصادي التي تقدمت بها الحكومة الى مـجلس الأمة تعتبر من الناحية النــظرية جيدة، ولكن من خلال القياس على تجارب سابقة فهي تجربة محكومة بالفشل.
[email protected]