وكأنه لا تكفينا مشاكلنا حتى نتدخل في مشاكل الجيران والأشقاء ولا نكتفي بل نستوردها إلينا، فنحن نتدخل «انترنتيا» و«تفاعليا» و«هاشتاقيا» بل وأحيانا «فضائيا» في كل مشاكل الدول العربية بلا استثناء ونمتد إلى ما جاورها من بلدان، ففي مصر تجدنا حاضرين أحيانا أكثر من المصريين أنفسهم، وفي سورية لنا مشاركة ودخول وتدخل بل وننحاز لطرف ضد آخر ونصبح في أحيان كثيرة سوريين أكثر من السوريين أنفسهم، حتى ان المتابع السوري لتدخل الكويتيين في قضيته يجعله يتساءل باستغراب: «هول شو بدهم؟!».
ولا ألومه، فتدخلنا الميمون ليس من منطلق دافع إنساني أو حديث عن دعم للاجئين بل نتحدث في أصل تحليل السياسة على الأرض السورية وننحاز إما لهذا الطرف أو ذاك أو الثالث ونخون ونزكي وننقل معلومات لا يعرفها أحد سوانا عن الشأن السوري، فهل تصدق أن كويتيين يعرفون اسم مدير أمن المخابرات السورية ويتناولونه بالحديث والتعليق عند تناولهم للشأن السوري وهو أصلا لا يعرف اسم مدير أمن محافظة مبارك الكبير.
في كل عرس سياسي لنا قرص، بل أقراص وموائد لا تنتهي، حتى في قضايا السودان البلد الهادئ غالبا نتدخل ونعلق ونحلل بل ونتخذ موقفا مع طرف ضد طرف، حتى ان السودانيين يستغربون من الهجرة السياسية الكويتية القادمة إلى مشاكلهم.
في مصر وتونس وسورية وفلسطين نتدخل ونتحدث ونعلق بل ونحلل وفوق هذا كله نحدد في كل بلد أياً من الفرقاء على صواب وأيّهم على خطأ، وأتذكر انه قبل سنوات برزت قصة خلاف سياسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفجأة اشتعل تويتر «كويتيا» بتناول الخلاف السياسي الفلسطيني ـ الفلسطيني، واكتشفت ان هناك كويتيين يشجعون حماس وآخرون يشجعون فتح وفريق ثالث يشجع حركة الجهاد الإسلامي، ويتراشقون بالاتهامات فيما بينهم، كل منهم يدعم الفريق الذي يشجعه سواء بالأدلة او المعلومات أو حتى الرأي.
انتهى الخلاف الفلسطيني، وتجد الكويتيين ينتقلون إلى تونس وبعدها تحط رحال سجالاتهم في المغرب ويخبرونك عن الصراع السياسي هناك وأبعاده وأطرافه بمعلومات لا تجدها لا في أمهات الكتب ولا من آباء الصحافة المقروءة او المرئية لا المغاربية ولا الأوروبية.
شعب يناقش قضية حرية الرأي في فرنسا وهو الذي ضربت حرية الرأي لديه بالقانون وما ناقشها إلا في هاشتاق عابر استمر لمدة ساعتين ثم انطفأ.
طبعا كل رؤيتي هذه التي كتبتها استنتاجا من حجم المشاركات الهائلة للكويتيين في الهاشتاقات الأكثر تداولا في تويتر وخاصة تلك السياسية، حيث تجدنا ككويتيين - وهنا أتحدث وأنا جزء من هذا المكون الجميل - نتدخل، فلا بد ان تجدنا في كل «هوشة سياسية».
في القضية اليمنية نحن يمين الله أصبحنا يمنيين أكثر من اليمنيين أنفسهم، الى درجة انه أصبح بعضنا يعرف جغرافية اليمن بشكل مبالغ فيه ويخبرك عن منطقة مهلهل في مدينة خمر التابعة لمدينة عمران والمعركة التي حصلت فيها بالامس، وهو الذي لو فاجأته بسؤال عن عاصمة اليمن لاحتار أهي صنعاء أم عدن؟! بل هو الذي لو سألته أين تقع «قلمة شايع» لما عرف، بل بعض المتبحرين تعليقا في الشأن اليمني والمغرد بجغرافية الصراع اليمني لو دخل الجهراء لما استطاع الخروج وهو الذي ينبئنا بقرب اندحار المتمردين من أطراف صعده.
تعدادنا مليون، أعني بالكاد وصلنا هذا الرقم - وبطلعة الروح وعسى الله يزيدنا ويكثرنا - ومشاكلنا الداخلية السياسية والرياضية والاقتصادية والاجتماعية تكفي لـ 12 مليون نسمة غيرنا، ويمكن ان نصدرها لخمسة بلدان أفريقية و3 بلدان أوروبية، ولكن وكأن مشاكلنا لا تكفينا فنتدخل في مشاكل الجيران والأشقاء وصراعاتهم في حين انه لا أتذكر ان مصريين او تونسيين او سعوديين تدخلوا في اي صراع سياسي كويتي او حتى رياضي رغم اننا شعب كل يوم له هاشتاق، وان تدخل اي شخص سوري او يمني او مصري وقام بالتعليق في اي قضية كويتية كما نفعل نحن ككويتيين لوجدتنا نرميه بهجوم يبدأ بـ «انت شكو؟!» وينتهي بجملة «خلك بديرتك أحسن لك».
يعني ان نتدخل بشؤون الغير الداخلية فلا بأس ومرحب به من منطلق عروبي إسلامي انساني، أعني ان لدينا مبرراتنا في أي تدخل نقوم به، ولكن لا يحق لأحد ان يتدخل بشأننا الكويتي الخاص جدا فلا مبرر لأي شخص لأن يتدخل بشؤوننا لا الداخلية ولا الخارجية.
توضيح الواضح: «انت شكو؟!» لغير الناطقين باللهجة الكويتية يقابلها بالمصري «وانت مالك؟!» وباللبناني «انت شو دخلك؟!» وبالعربية الفصحى: «وما دخلك أنت؟!».
[email protected]