ذعار الرشيديالكارثة الحقيقية التي يجب أن يحاسب عليها جميع وزراء الصحة منذ العام 1962 وحتى اليوم هي أن هناك حديثا دائرا وبقوة من أنه لا يوجد طبيب واحد في وزارة الصحة يحمل شهادة أوبئة أو متخصص في الأوبئة.
هكذا نقل لي وهكذا قيل لي وهكذا انتهى بحثي في أروقة وزارة الصحة ومستشفياتها وحتى سيارات إسعافها، فلم يتبق دكتور أو ممرض أعرفه أو حتى «بورتر» إلا سألته هذا السؤال: «نحن في مواجهة وباء انفلونزا الخنازير فهل يوجد طبيب أو متخصص في الأوبئة؟» السؤال رغم بديهيته بدا وقعه كوقع الصاعقة على من سألتهم، لأنهم أجابوا بأنهم لا يعرفون أحدا في وزارة الصحة متخصصا في الأوبئة أو يحمل شهادة في علم الأوبئة.
أتمنى من كل قلبي أن تكون إجابات من وفروا لي المعلومة ممن سألتهم خاطئة وأن يكون هناك فعلا طبيب متخصص بالأوبئة، ولكن للأسف لا أعتقد.
هل يعقل أن تكون وزارة «طويلة عريضة» وعمرها يناهز الـ 50 عاما لم تستقدم طبيبا متخصصا في الأوبئة ونحن أمام جائحة انفلونزا الخنازير.
ولا «يبط الجبد» و«يفقع المرارة» و«يرفع الضغط» و«يزيد الحموضة» و«يكسر صفائحي الدموية» إلا تصريحات قياديي وزارة الصحة التي كلها تحمل لواء «كله تمام يا أفندم»، وسؤالي البريء إلى كل المصرحين من قياديي الوزارة التي تحمل لواء حمايتنا هو هل حقا لا يوجد مثل هذا المتخصص في وزارتكم الكريمة؟ وإذا كان الجواب بلا، فكيف بالله عليكم ستقاومون الوباء وأنتم لا تملكون أدنى الأسباب.
عامة، أدعو قياديي وزارة الصحة لمشاهدة فيلمين أميركيين لعلهم يتعلمون حتى ولو من الخيال السينمائي شيئا مما يمكن أن يطبق واقعيا، خاصة أن شهاداتهم وخبراتهم وعلمهم لم يسعفهم لاكتشاف ضرورة وجود طبيب متخصص في الأوبئة، والفيلمان هما «12 قردا» لبروس ويليس وبراد پيت، وفيلم إيبولا «ليتعلموا على الأقل كيفية التصرف تجاه ما نواجه على أرض الواقع».
الكارثة الأخرى وكما هو مثبت من خلال الهيكل الإداري لوزارة الصحة أنه لا توجد إدارة متخصصة في الأوبئة، والإدارة التي يمكن أن تدخل ضمن مجال مكافحة الأوبئة هي إدارة الجودة ومنع العدوى، ولكنها إدارة قاصرة وغير متخصصة سوى بمنع العدوى في المستشفيات فقط وقراراتها عادة بل غالبا لا يؤخذ بها، ومن النكات الطبية التي تحفل بها هذه الإدارة هي أنه عندما يتم اكتشاف إصابة انفلونزا خنازير أو بكتيريا معدية في أي غرفة عمليات أو غرفة عناية مركزة يطلبون من إدارة المستشفى الذي اكتشفت فيه الحالة أن يقومون بعزلها تماما وعزل تكييفها، ليأتي الرد كالتالي من إدارة المستشفى: «لا يمكننا عزل التكييف لأن مستشفيات الكويت لم تصمم وفقا للهندسة الطبية التي تتيح عزل دكات التكييف في أي غرفة من الغرف أو الأجنحة ولذا لا يمكن تطبيق قرارات إدارة منع العدوى».
هكذا هي الحقيقة وهذا هو الواقع في وزارة الصحة التي تقول انها استعدت لمواجهة وباء انفلونزا الخنازير، فلا مستشفياتها مهيأة لعزل المرضى المصابين لأنها بنيت كما تبنى أي منشأة عادية بل بنيت كما تبنى أي عمارة سكن عزاب، الأخطر أنه لا توجد إدارة حقيقية متخصصة لمكافحة ورصد الأوبئة وهي إدارة لابد من أن تستحدث الآن، وبدلا من التدوير الذي حصل قبل العيد الذي «لخبط» المستشفيات المتخصصة، كان الأجدر أن تستحدثوا إدارة حان الوقت لاستحداثها.
أما التدوير الذي حصل الأسبوع الماضي فكان بحق كارثة الكوارث، فكيف ينقل جراح المخ والأعصاب المتخصص الشهير د.عباس رمضان من إدارة مستشفى ابن سينا للأعصاب حيث تخصصه إلى المستشفى الصدري؟!
وكيف ينقل الجراح والمتخصص بالأورام وحامل ماجستير إدارة أعمال جراحة د. عادل العصفور من مستشفى حسين مكي جمعة للأورام إلى مستشفى الرازي للعظام؟!
أعلم يقينا أن وزير الصحة د.هلال الساير جاء للإصلاح ولكن أول طريق الإصلاح هو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب لا «تطشير» الكفاءات والمتخصصين، والأهم هو أنه لا يلتفت إلى أي ضغوطات كانت والتي أعتقد أن بعضا منها مورس في التدوير الأخير.
[email protected]