انيق، هادئ، مبتسم دوما حتى في احلك الظروف، ضمير حي للعمل، مضياف، يمكنه ان يحيل حالة التوتر المشحونة الى مشروع ابتسامة وينتهي كل شيء، هكذا عرفت الزميل احمد زهدي الذي اختطفه الموت من بين ايدينا، اختطفه قبل ان يكمل لي رزمة حكاياته التي لا تنتهي عن مشتركي «الأنباء».
آخر مرة شاهدته فيها كان في مكتبه حيث تناولنا اطراف حديث لا اتذكره تماما ولكنني اتذكر انه يومها وعلى الرغم من جحافل المرض التي دبت عساكرها في جسمه وغزت رايات انتصاراتها اطراف جسده النحيل الا انه هزمها جميعا بابتسامته التي نادرا ما كانت تفارق محيّاه.
بعد مرضه العضال الذي غدر بجسده أعتقد انه لم يجد سوى الابتسامة سلاحا لهزيمة جيوش الآلام التي رسمتها معاركه مع المرض على تقاسيم وجهه، عندما كان يحدثني اتذكر انه لم يكن يتصنع الابتسامة بل كان يصنع الابتسامة.
«ياباشا»، هكذا كان يناديني وينادي معظم الزملاء، ولقب «البشوية» كان يلقيه الزهدي احمد على الزملاء الذين يكن لهم او لعملهم احتراما، كان يؤمن بأن العمل هو كل شيء، لذا حتى في قمة صراعه مع المرض اصر على ان يأتي ويتابع عمله ويشرف عليه.
في آخر ايامه كنت استشعر قرصات الألم الذي كان يسرقه من حديثنا الممتع معه، كنت اشاهد في عينيه عندما يغمضهما فجأة متحاملا على نفسه ثم يفتحهما وقد رسم على وجهه ابتسامة رجل يقول للموت: «لا، ليس بعد لايزال في الحياة متسع».
كنت اجرؤ على عكس كثير من الزملاء على ان اسأله عن تفاصيل مرضه والى اين وصل في معركته مع السرطان وكان يقول: «الحياة ماشية».
لم يكن يجيد رواية «النكتة» ولكنه كان يجيد استقبالها، وكما ان القاء «النكتة» وروايتها فن فاستقبالها ايضا فن، على الجانب المهم كان يجيد رواية حكايات الواقع بتفاصيل ربما تغيب عن اذهان اكثر الروائيين دقة.
ليس لدي شيء احمله لزهدي احمد سوى هذا المقال التأبيني البسيط الذي استرجع به ذكريات آخر لقاء لي معه، اللقاء الذي عرفت بعده ان الحياة اقصر من ان نعيشها بشكل صحيح، واطول بكثير من ان نتمكن من معرفتها بشكل صحيح.
رحمك الله يا احمد زهدي واسكنك فسيح جناته وحشرك مع الصالحين، فأنت في نظري احد الصالحين الذين مروا في هذه الحياة.
صديق عزيز آخر يرحل وتستمر الحياة.
[email protected]