Note: English translation is not 100% accurate
رحلة في أعماق التاريخ والحضارة وكنوز الطبيعة (الأخيرة)
قافلة الإعلام السياحي الخليجي في نجران وجازان ومكة المكرمة
3 ابريل 2012
المصدر : الأنباء















جازان - عاطف عيسى
تجربة مدهشة وممتعة في آن ان تجد نفسك تغادر عصرك وتغوص ضمن قافلة اعلامية، في اعماق التاريخ، وتقلب صفحات التراث وتطالع معالم الحضارات، تبدأ من العصر الحجري ونشأة الانسان وتمر في سرعة وخفة الى حضارات ما قبل الميلاد، ثم الى عصور متأخرة قبل مئات السنين من مبعث الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مرورا بعهود الخلفاء الراشدين ثم دولة بني امية فبني العباس وصولا للعهد العثماني فالعصر الحاضر.
هكذا كانت التجربة المدهشة في قافلة الاعلام الخليجي السياحي التي تنظمها الهيئة العامة للسياحة والآثار في المملكة العربية السعودية، بادئة بالرياض عاصمة المملكة وحاضرتها، لترتد سريعا الى نجران حيث التاريخ والحضارة بدءا بمطارها الاحدث في المملكة ثم الاخدود الشهير فالآبار التي تعود الى آلاف السنين ومواقع اثرية وحضارية في نجران التاريخ، ثم كان الانتقال السريع الى جازان حيث كنوز الطبيعة المتنوعة، الساحل الجميل والجزر البكر الخلابة، والجبال الشاهقة والقرى التراثية المتميزة. وكان الختام في مكة ام القرى، حيث اعلى ساعة في العالم، وغار ثور وغار حراء ومتحف الحرمين ومصنع كسوة الكعبة الشريعة، رحلة استمرت 10 ايام كاملة، شاركت فيها «الأنباء» ضمن فريق اعلامي كويتي ضم تلفزيون الكويت وتلفزيوني وجريدتي الوطن والراي الى جانب وسائل اعلامية ومحطات تلفزيونية خليجية وعربية. ولنبدأ من حيث النهاية، من مكة المكرمة، فجازان ونهاية نجران.
حكايات من جنوب السعودية.. شيخ المرشدين وصخرة نجران ومخيم الربع الخالي وأقدم حدائق المانجو في جازان
أحد عشر يوما، واحدى عشرة ليلة، عمر طويل مديد اذا قضيته سائحا راصدا، ومشاهدا مراقبا، وزائرا واعيا، لا ترغب في الخلود لنوم أو الاستسلام لنعاس وانت في أرض جديدة عليك، ولم تطأها قدمك من قبل، استطلاعك يملأ عليك شغلك فتراك تحاول سبر أغوار البشر من حولك، تكلمهم، تحاكيهم، تسامرهم، وتتعرف منهم على جوانب جديدة من هذه الحياة، حاضرها وماضيها، وتحاول اكتشاف الأمكنة وتربطها بالأزمنة وتغوص في تاريخها وانت تعيش في حاضرها. هكذا كانت الرحلة، رحلة قافلة الإعلام السياحي الخليجي التي باتت سويعات من ليلة في الرياض قبل ان تحل ضيفة على نجران العراقة والتاريخ والحضارة، وتنتقل الى جازان الطبيعة والجمال والعلم والثقافة وتحط في مكة أم القرى ومهوى القلوب وتلملم نفسها في جدة عروس البحر الأحمر ليعود كل الى سيرته الأولى.
هل انتهت الرحلة؟ هل تفرقت القافلة؟ واقعا نعم. لكن القلب وعى الكثير، والعقل اختزن الكثير، والنفس مازالت تحيا في أجواء تلك القافلة، ألم تكف اثنتا عشرة حلقة في وصف الرحلة المثيرة؟ لا، فهناك تفاصيل كثيرة صغيرة وكبيرة تستحق التسجيل، رصدتها العين وسمعتها الأذن، واختزنها العقل، انها حكايات على هامش الرحلة، فإليك بعضها:
شيخ المرشدين
مع وصولنا الى نجران، وجدناه في الانتظار، صاحب بشرة سمراء داكنة وابتسامة واسعة حانية، وقوام رشيق، وصوت جهوري، تألفه قبل ان تسمعه، وتحس بأنك تعرفه منذ سنين، هو تاريخ نجران ورمزها، كأنما هو الشاهد على كل أطوارها، إنه شيخ مرشدي السياحة في نجران سعيد كمال سعيد آل سعيد.
أمي لا يقرأ ولا يكتب، لكنه يجيد 4 لغات الى جانب العربية إجادة أهلها، صاحبنا طوال 4 أيام فكان مرجعا ومرشدا وصديقا ومعلما، خبير بنجران، يعرف أخدودها، وقصة كل حجر في موقعه، يسلك به طرقه الجانبية وعره الرئيسي ويحكي واقعة هنا ورواية هناك. اختليت به وسألته: ما سرك يا عم سعيد؟ أجاب بسرعة: أنا نجراني، أنا ابن نجران، عشقت أرضها وسماءها وواديها، فوعيت تراثها وتاريخها وحفظته دون ان أقرأ أو أكتب. سمعته كابرا عن كابر، فأخذته وتعلمته ووثقت تفاصيله، ومع ورود السائحين والزائرين من أوروبا وأميركا، والباحثين كذلك الى نجران وخصوصا الى موقع الأخدود الذي يشكل لدى المسيحيين واليهود شأنا كبيرا، بدأت في التواصل معهم، وتعلمت منهم، وأجدت لغاتهم، بل صرت مرشدا لهم في الأخدود وغيره من المواقع الأثرية.
صاحبنا الى قصر العان ثم الى سد نجران، وحكى لي كيف كانت معاناة أهل نجران قبل إنشاء هذا السد، وكيف كانت السيول تغرق الوادي، وعند شح الأمطار كيف يجف هذا الوادي ويذبل ما فيه من أشجار ونباتات.
كان مرشدنا في قصر الإمارة ودلف بي الى غرفة مظلمة وقال: تشجع ولا تخف، وما ان تجولت عيني في سقفها حتى وجدتها ملأى بطيور «الخفافيش» التي تعشق الظلام.
وفي سوق الجنابي، يروي حكايتها، وتاريخها وأهميتها كتراث وتقليد عن أهل المنطقة قديما وحديثا، وفي سوق الفخار كان حاضرا بمشاركاته ومعلوماته عن كل قطعة في السوق. يعرف تفاصيل قصر سعدان، وقلعة جبل رعوم، ويحفظ كل الاحتفالات الشعبية «الأعياد والختان والزواج» ويجيد العرضات الشعبية المتنوعة، ويؤدي كل أهازيجها، يعرف الزامل والرزفة والمرافع أو الطبول.
عم سعيد صاحب القافلة في كل تنقلاتها، وخلال تلك التنقلات كنا نمطره بالاسئلة والاستفسارات حول كل ما تراه أعيننا، كيف كان وكيف صار، تحدث كثيرا عن صناعة الفخار وتطورها، تحدث عن البرمة والتنور والزير والمرهد والجمنة، وتحدث عن صناعة الحجر الصابوني، والصناعات الخشبية والمعدنية والحلي والنسيج والجلود وتوسع أكثر في شرح العادات والتقاليد، عن المنصد والنحل والنوب والرفدة والفروق وورد الابل ولم ينس المأكولات الشعبية كـ «الوفد، البر والسمن، الرقش، الحميسة»، وتطرق للألعاب الشعبية كـ «الشاع، الحيد الحارة، الخدقة، وأسواق نجران الشعبية ومساجدها التاريخية».
أربعة أيام كاملة قضيناها مع العم سعيد، تاريخ نجران ورمزها، ودعنا على باب الفندق وعيناه تدمعان ويداه ترتجفان وهما تلوحان لنا: وداعا.
صخرة نجران
كان الموعد على العشاء، «يا شباب التجمع في (اللوبي) الساعة الثامنة.. العشاء على شرفكم يقيمه رئيس غرفة تجارة وصناعة نجران في قمة جبل.. استعدوا.. هذا صوت محمد الرشيد يحث الاعلاميين على سرعة التجهز. وانطلقت سيارات الدفع الرباعي نحو الجبل تصعده بخفة حتى وصلنا للموقع المحدد، مكان مجهز للاستقبالات وللموائد الكبيرة، يشرف على الوادي كله، النار موقدة بخشب أشجار ذي رائحة عطرية، وضعت عليه آنية الشاي والقهوة، جلسة الاستقبال دائرية في قمة الجبل مسورة بأعمدة رفيعة من المعدن، كان الموقع بديعا يأخذ بالألباب، العشاء وضعت مائدته في ساحة مستطيلة مغطاة.
لكن هناك شيئا لافتا بالفعل، تتوسط الموقع صخرة عظيمة، كأنها جبل وحدها، متكئة على صخيرة صغيرة على يمينها، ومستندة في ظهرها الى صخرة أخرى متوسطة، أتاح الفراغ الواقع بينها لعمل غرفة خشبية أنيقة، وفرشت المساحة التي تحت الصخرة لتكون مجلسا منفصلا. أدهشتنا فخامتها، سألنا العم سعيد فقال: هذه الصخرة «العودة» عمرها من عمر أجدادنا وأجداد أجدادنا، كلهم تحدثوا عن وجودها منذ مئات، بل قبل آلاف السنين، هي مقصد كثيرين يرون فيها، وفي الجبل الواقعة فيه مزارا، لكن هذا المكان استراحة خاصة بصاحبه، حرص إعلاميو القافلة على التقاط الصور عند الصخرة التي تقف صامدة وشاهدة على عراقة وتاريخ نجران.
تخييم في الربع الخالي
سنخيم في الربع الخالي؟ عم تتحدث وكيف؟ بادرت مدير المشروع محمد الرشيد هل حثك أحد على التخلص منا جميعا في هذا «الربع الخالي»؟ ابتسم وقال: انتظروا وترقبوا وسترون.
علمنا الحكاية، أحد كبار رجالات الأعمال في نجران، ومن أجودهم أصر على الاحتفاء بالقافلة وإعلامييها على طريقته الخاصة، في مخيمه الخاص بمدخل الربع الخالي (إن كان له مدخل)، استقبلنا المضيف وكبار رجالات القبيلة بالألوان الشعبية التراثية وأغرقنا في كرمه وجوده، وتحدث عن نجران وطموحاته وطموحات أهلها في مزيد من التطوير والتحديث، قريب من المخيم كانت عشرات من الجمال والنوق وصغارها «الحواشي» تتهادى، فانطلقنا اليها نتأملها ونلتقط الصور معها، وجيء بأوان معدنية وفخارية كبيرة، وبدأ بعض الحاضرين في حلب النوق وتقديمه للضيوف، كل ذلك وسط طقس بديع أراح نفوسنا من عناء وازدحام البرنامج وغسل من قلوبنا كل هموم الدنيا.
جازان.. والمانجو
جازان بلد المانجو، معلم وملمح جديد لم يكن معروفا (لدينا على الاقل) عن هذه المنطقة من الجنوب السعودي، هذه الفاكهة المحبوبة لدى الجميع والتي تثمر صيفا وجدنا بشائرها هنا في جازان، بل وسمعنا عن مهرجان يقام في مايو من كل عام يسمى باسم هذه الفاكهة، مهرجان المانجو، ليضيف ميزة جديدة لجازان، كنوز الطبيعية وجمال الصنعة الالهية.
القافلة كانت على موعد لزيارة اقدم مزرعة للمانجو بالمنطقة، انها مزرعة العم محمد الجبلي، صاحب المبادرة والدعوة، والذي كان في استقبالنا ـ رغم كبر سنه ـ على سلم الباص ليصطحبنا في اجمل جولة يمكن ان نعيشها. الرجل كريم لأبعد الحدود، جهز لنا طعام الغداء وبدأ بتقديمه بنفسه، وذبائح الماعز الجبلي واكلات شعبية، في العشة التراثية الجميلة، ولشدة كرمه فقد زعم انه تغدى ولذلك سيدعنا نأكل على راحتنا. كان الطعام شهيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وبعد البخور والشاي والقهوة بدأت الجولة في مزرعته العجيبة، بل هي قرية سياحية متكاملة، تحوي اكبر مزرعة للمانجو تضم نحو 7 آلاف شجرة وتنتج مئات الاطنان من هذه الثمرة المحببة للنفس، حكى لنا حكايته مع المانجو وقصته مع احد وزراء الزراعة السابقين، وكيف انصفه الامراء الكرام، طموحه في انجاز هذه المدينة المتكاملة لا حدود له، ينفق عليها بسخاء دونما طلب من احد، ويفتحها لكل احد، صارحنا بقوله: لن الجأ الى القروض الربوية، بل سأسعى بكل ما أوتيت من جهد ومال لانجاز المشروع الذي يشمل استراحات ونزلا وشاليهات وملاعب غولف واحواض لاستزراع الاسماك ومماش لممارسة الرياضة، جال بنا العم الجبلي في مزارع الابقار ووقف بنا عند عنتر زعيم المزرعة البقرية وحاكمها المطلق وقطعان الماعز الجبلي الابيض الجميل، توقفنا امام شجرة للقطن تجاورها اشجار مماثلة، فقال انه استوردها من الفلبين وتنتج قطنا ويجري ابحاثا لاستغلالها في الانتاج قريبا، وقف بنا امام شجرة نحت عليها اسم الامير خالد الفيصل امير عسير سابقا وامير مكة الحالي، واخرى نحت عليها اسم امير جازان محمد بن ثامر بن عبدالعزيز وكيف وثق دعمها له على هذا النحو.
اشجار المانجو مثمرة، وبدأ يبحث بنفسه عن ثمار ناضجة ليقدمها لضيوفه، وذقنا مانجو جازان الطازج وتلمسنا حلاوة الثمار بعد الجهد والعمل المضني، وكما كان الطعام شهيا كانت ثمار المانجو شهية كذلك.
يبهرنا اصرار العم الجبلي وشدة بأسه في انجاز ما يطمح له دون انتظار مساعدة الآخرين، وبهرتنا ذاكرته وألمعيته في رواية ادق التفاصيل قبل عشرات السنين.
اخذنا الى مدرج كبير اسفله ساحة يعلوها مسرح، قال انه سيكون مكانا للاحتفالات التي يمكن ان تقام في المدينة والمدرج منفصل الى قسمين، احدهما للرجال والآخر للنساء.
حديثه عن المانجو يشبه حديث احدنا عن اعز ما لديه عن ولده الذي عايشه وليدا ثم رضيعا ثم صبيا، ففتى يافعا فشابا قويا، هكذا هي الآن مزرعة المانجو، شامخة باشجارها شاهدة على قوة وعزيمة الرجال، واصبحت مزارا للكثيرين يلقون فيها كل ترحيب وكرم وجود من العم الجبلي.
«شيشة نسائية» في مرسى الأحلام
جازان بيئة الساحل الجميل والكبير على البحر الاحمر وجزرها المتعددة، كان موعدنا على العشاء في مرسى الاحلام، وهو مطعم ومقهى كبير، جلسنا نتسامر حتى يتم تجهيز العشاء، حديث السمر الذي كان قبل منتصف الليل بقليل، تسلل منه بعض الرفاق بحثا عن «الشيشة» في هذا الجو البديع، وعلى مقربة من الماء، لم نحفل بهم كثيرا واخذتنا حلاوة السمر حول جازان وعادات اهلها ومستقبل السياحة في مثل هذا المكان وغيره، بعد نحو الساعة، وبعد ان كدنا نهلك جوعا، صاح بنا مدير المطعم: العشاء جاهز، العشاء اعد في مكان يستوعب اعلاميي القافلة وضيوفها ومراقبيها، وكان عشاء فاخرا من المأكولات البحرية والبرية على السواء، ورغم شدة جوعي، وقبل ان اجلس على المائدة، لاحظت عن بعد نسوة منتقبات، ووضعت بقربهن الشيشة، اشرت الى زميلي في تلفزيون الكويت طلال الهيفي، فقال: عادي هنا في جازان عادي، صرت اراقب المشهد، واشاهد النسوة وهن يدخن الشيشة كالرجال تماما، لم يشبعني رد الزميل الهيفي، فتوجهت الى احد مرافقينا من اهل جازان فرد بنفس النبرة: بعض النسوة يأتين الى هنا خصيصا لتدخين الشيشة، ولانه مقهى ومطعم وعلى الساحل وفي جازان بلد الساحل، فانه يعد امرا عاديا وغير مستغرب على الاقل من اهل جازان، واكد لي ان جازان تلتقي من خلال الساحل واعماله والتجارة من خلال البحر بثقافات عديدة، تترسخ من خلالها عادات ربما ليست موجودة في كثير من بقاع المملكة، وانتبهت الى الجوع، وعدت بوعيي للمائدة، فقد كان نداء المأكولات البحرية اقوى من نداء التطفل لمعرفة كل ما يدور حولي.