Note: English translation is not 100% accurate
أمثال قرآنية
16 سبتمبر 2011
المصدر : الأنباء
إعداد: ليلى الشافعي
مثل الإنفاق في غير طاعة الله
ضرب الأمثال أسلوب قرآني، القصد منه تقريب الفكرة إلى ذهن القارئ، وتبسيط ما هو مجرد، وجعله أقرب ما يكون إلى الفهم، فكلما كانت الفكرة مصاغة بحسب ما هو واقع ومحسوس، كانت أوضح في بيان المقصود، وأبلغ في تحديد المراد.
ومن الأمثلة القرآنية التي ضربها سبحانه للناس، تبيانا لمواقف المنفقين للمال، وتمحيصا للمؤمن من المنافق، قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين * ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير * أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون) (البقرة: 264 ـ 266).
أحوال ثلاثة
هذه الآيات الثلاث تضمنت أمثلة ثلاثة، تتعلق بأحوال الناس في الإنفاق:
المثال الأول: فيه تشبيه بعض المتصدقين الذين يتصدقون طلبا للثواب، غير أنهم يتبعون صدقاتهم بالمن والأذى، بالمنفقين المرائين، الذين ينفقون أموالهم لا يطلبون من إنفاقها إلا السمعة والمفاخرة بين الناس. فالذي ينفق ماله ابتغاء السمعة والظهور بين الناس، لا يستشعر نداوة الإيمان وبشاشته، ويكون قلبه مغشيا بالرياء، كالحجر الذي لا خصب فيه ولا ليونة، يغطيه تراب خفيف، يحجب قسوته عن العين، كما أن الرياء يحجب قسوة القلب الخالي من الإيمان. فإذا نزل مطر غزير على هذا الحجر، ذهب بالتراب الذي عليه، فانكشفت حقيقته، وظهرت قسوته، ولم ينبت زرعه، ولم يثمر ثمره، كذلك القلب الذي أنفق ماله طلبا للظهور بين الناس، فإن إنفاقه هذا لا يثمر خيرا، ولا ينفعه أجرا!
ووجه التمثيل بين المانّ والمؤذي بصدقته وبين المرائي بنفقته، أن كلا منهما قد غش نفسه، فألبسها ثوب زور، يوهم الرائي شيئا غير ما هو في الحقيقة.
المخلصون في الإنفاق
المثال الثاني: ضرب الله المثل فيه للمخلصين في الإنفاق، وذلك مثل المؤمن العامر قلبه بالإيمان، ينفق ماله عن ثقة ثابتة في الخير، نابعة من الإيمان، كمثل بستان خصب عميق التربة، يقوم على ربوة، فإذا نزل عليه مطر كثير، أعطى ثمارا وغلالا ضعفي ما يعطي غيره. وإذا نزل عليه مطر قليل كفاه ليبقى على رونقه وجماله وبهائه.
ووجه التمثيل في هذا المثل - كما قال الشيخ رشيد رضا - أن المنفق ابتغاء مرضاة الله هو في إخلاصه وسخاء نفسه وإخلاص قلبه كالجنة الجيدة التربة الملتفة الشجر العظيمة الخصب في كثرة بره وحسنه، فهو يجود بقدر سعته، فإن أصابه خير كثير أغدق ووسع في الإنفاق على ذوي الحاجات، وإن أصابه خير قليل أنفق منه بقدره، فخيره دائم.
وهذا التمثيل يفيد بأن إنفاق المؤمن قد يكون إنفاقا كثيرا، مثل المطر الغزير، وقد يكون إنفاقا قليلا، مثل المطر القليل، وفي كل خير، وهو يعبر عن اهتمام المؤمن بغيره، والعمل على النهوض بأمته قدر استطاعته، وبحسب إمكاناته.
وهذا المثل مقابل للمثل الأول، فإذا كان قلب المرائي قاسيا، عليه ستار من الرياء، كمثل حجر صلد عليه غشاء من التراب، فإن قلب المؤمن كالأرض الخصبة المعطاء، وإذا كان قلب المرائي المغطى بالرياء والنفاق، كمثل حجر أملس مغطى بالتراب، سرعان ما تنكشف حقيقته وطبيعته، فإن قلب المؤمن خير على كل حال.
امرأة فرعون
قوله تعالى: (و ضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة) الكلام في قوله: (للذين آمنوا) كالكلام في قوله: (للذين كفروا).
وقوله: (إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة) لخص سبحانه جميع ما كانت تبتغيه في حياتها وترومه في مسيرة عبوديتها في مسألة سألت ربها وذلك أن الإيمان إذا كمل تواطأ الظاهر والباطن وتوافق القلب واللسان فلا يقول الإنسان إلا ما يفعل ولا يفعل إلا ما يقول فيكون ما يرجوه أو يتمناه أو يسأله بلسانه هو الذي يريده كذلك بعمله.
وإذ حكى الله فيما يمثل به حالها ويشير إلى منزلتها الخاصة في العبودية دعاء دعت به دل ذلك على أنه عنوان جامع لعبوديتها وعلى ذلك كانت تسير مدى حياتها، والذي تتضمنه مسألتها أن يبني الله لها عنده بيتا في الجنة وينجيها من فرعون وعمله وينجيها من القوم الظالمين فقد اختارت جوار ربها والقرب منه على أن تكون أنيسة فرعون وعشيقته وهي ملكة مصر وآثرت بيتا يبنيه لها ربها على بيت فرعون الذي فيه مما تشتهيه الأنفس وتتمناه القلوب ما تقف دونه الآمال، فقد كانت عزفت نفسها عما هي فيه من زينة الحياة الدنيا وهي لها خاضعة وتعلقت بما عند ربها من الكرامة والزلفى فآمنت بالغيب واستقامت على إيمانها حتى قضت.
وهذه القدم هي التي قدمتها إلى أن جعلها الله مثلا للذين آمنوا ولخص حالها وما كانت تبتغيه وتعمل له مدى حياتها في مسيرة العبودية في مسألة حكى عنها وما معناها إلا أنها انتزعت من كل ما يلهوها عن ربها ولاذت بربها تريد القرب منه تعالى والإقامة في دار كرامته.
فقوله: «امرأة فرعون» اسمها على ما في الرواية آسية، وقوله: (إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة) الجمع بين كون البيت المبني لها عند الله وفي الجنة لكون الجنة دار القرب من الله وجوار رب العالمين كما قال تعالى: (بل أحياء عند ربهم يرزقون)، (آل عمران: 169). على أن الحضور عنده تعالى والقرب منه كرامة معنوية والاستقرار في الجنة كرامة صورية، وسؤال الجمع بينهما سؤال الجمع بين الكرامتين.
وقوله: (و نجني من فرعون وعمله) تبرؤ منها وسؤال أن ينجيها الله من شخص فرعون ومن عمله الذي تدعو ضرورة المصاحبة والمعاشرة إلى الشركة فيه والتلبس به، وقيل: المراد بالعمل الجماع.
وقوله: (و نجني من القوم الظالمين) وهم قوم فرعون وهو تبرؤ آخر وسؤال أن ينجيها الله من المجتمع العام. كما أن الجملة السابقة كانت سؤال أن ينجيها من المجتمع الخاص.