Note: English translation is not 100% accurate
مع الحبيب صلى الله عليه وسلم
دروس وعبر من غزوة أحد (1 - 2)
7 سبتمبر 2012
المصدر : الأنباء
ذكر العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه «زاد المعاد في هدي خير العباد» جملة من الفوائد المستفادة من غزوة احد، نقتبس منها ما يلي:
ان حكمة الله وسنته في رسله، وأتباعهم، جرت بأن يدالوا مرة، ويدال عليهم اخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فانهم لوا انتصروا دائما، دخل معهم المؤمنون وغيرهم، ولم يميز الصادق من غيره، ولو انتصر عليهم دائما لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فاقتضت حكمة الله ان جمع لهم بين الامرين، ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق، وما جاءوا به، ممن يتبعهم على الظهور والغلبة خاصة.
تعريف المؤمنين سوء عاقبة المعصية، الفشل، والتنازع، وأن الذي اصابهم انما هو شؤم ذلك، كما قال تعالى: (ولقد صدقكم الله وعده اذ تحسونهم باذنه حتى اذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما اراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم) «آل عمران 152»، فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وتنازعهم، وفشلهم، كانوا بعد ذلك اشد حذرا ويقظة، وتحرزا من اسباب الخذلان.
ان ما حصل يوم احد من علامات الرسل، كما قال هرقل لابي سفيان: هل قاتلتموه؟، قال: نعم، قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟، قال: سجال، يدال علينا المرة، وندال عليه الاخرى، قال: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة.
ومنها ان يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فان المسلمين لما اظهرهم الله على اعدائهم يوم بدر، وطار لهم الصيت، دخل معهم في الاسلام ظاهرا من ليس معهم فيه باطنا، فاقتضت حكمة الله عز وجل ان سبب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق، فأخرج المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة، وتكلموا بما كانوا يكتمونه، وظهرت مخباتهم وعاد تلويحهم تصريحا، وانقسم الناس الى كافر، ومؤمن، ومنافق، انقساما ظاهرا، وعرف المؤمنون ان لهم عدوا في نفس دورهم وهم معهم لا يفارقونهم، فاستعدوا لهم، وتحرزوا منهم، قال الله تعالى: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) «آل عمران 179»، أي ما كان الله ليذركم على ما انتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين، حتى يميز اهل الايمان من اهل النفاق، كما ميزهم بالمحنة يوم احد، وما كان الله ليطلعكم على الغيب الذي يميز به بين هؤلاء وهؤلاء، فانهم متميزون في غيبه وعلمه، وهو سبحانه يريد ان يميزهم تمييزا مشهودا، فيقع معلومة الذي هو غيب شهادة، وقوله: (ولكن الله يجتبي من رسله ما يشاء) استدراك لما نفاه من اطلاع خلقه على الغيب، سوى الرسل، فانه يطلعهم على ما يشاء من غيبه، كما قال: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احدا الا من ارتضى من رسول) «الجن 27»، فحظكم انتم وسعادتكم في الايمان بالغيب الذي يطلع عليه رسله، فان آمنتم به وأيقنتم، فلكم اعظم الاجر والكرامة.
استخراج عبودية اوليائه وحزبه في السراء والضراء، وفيما يحبون وما يكرهون، وفي حال ظفرهم وظفر اعدائهم بهم، فاذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون، فهم عبيده حقا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية.
انه سبحانه ولو نصرهم دائما، وأظفرهم بعدوهم في كل موطن، وجعل لهم التمكين والقهر لاعدائهم ابدا، لطفت نفوسهم، وشمخت وارتفعت، فلوا بسط لهم النصر والظفر، لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط لهم الرزق، فلا يصلح عباده الا السراء والضراء والشدة والرخاء، والقبض والبسط، فهو المدبر لامر عباده كما يليق بحكمته، انه بهم خبير بصير.
انه اذا امتحنهم بالغلبة، والكسرة، والهزيمة، ذلوا وانكسروا، وخضعوا، ما استوجبوا منه العز والنصر، فان خلعة النصر انما تكون مع ولاية الذل والانكسار، قال تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم اذلة) «آل عمران 123»، وقال: (ويوم حنين اذ اعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا) «التوبة 25»، فهو سبحانه اذا اراد ان يعز عبده ويجبره وينصره، كسره اولا، ويكون جبره له، ونصره على مقدر ذله وانكساره.
انه سبحانه هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته، لم تبلغها اعمالهم، ولم يكونوا بالغيها الا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الاسباب التي توصلهم اليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للاعمال الصالحة التي هي من جملة اسباب وصولهم اليها.