Note: English translation is not 100% accurate
الدعاء المأثور
إمتاع ذوي الأفهام بأدعية خير الأنام
14 مارس 2014
المصدر : الأنباء

بقلم: د. وليد العلي
أهدى «الإيمان» الإمام والخطيب بمسجد الدولة الكبير الشيخ الداعية د.وليد العلي بـ 30 مقالا أسبوعيا يشرح فيها طائفة مباركة من الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم على أن نمتعكم كل أسبوع بها.
إن من أشرف الأدعية التي يتقرب إلى الله تعالى بها الداعي، وأجمع المباني وأنفع المعاني التي يسعى في تحصيلها الساعي، ما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدعية الصحيحة، التي هي من جوامع الكلام الذي تجود به القريحة.
وإن من هذه الدعوات النبوية الشريفة، وهذه الكلمات الشافية الكافية المنيفة: ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذه الدعوات: «اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب».
فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد»، فقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغسل خطاياي»، أي: أزل عني أثر جميع الخطايا الحوب، وهي ما اقترف من المعاصي والذنوب.
ولما كانت الخطايا بمنزلة النار لكون الذنوب تؤدي إليها، عبر عن إطفاء حرارتها بإزالة أثرها بالغسل تأكيدا عليها.
فبالغ صلى الله عليه وسلم بذكر استعمال المياه الباردة غاية البرودة، فترقى من المياه القليلة البرودة إلى الكثيرة الجمودة، فقال صلى الله عليه وسلم: «بماء الثلج والبرد».
أي: كما يغسل جميع ما يصيبه ماء الثلج والبرد وهو حب الغمام، فهما ماءان طاهران لم تخالطهما النجاسة فذكرهما آكد بهذا المقام.
وهذه حكمة العدول عن ذكر الماء الحار، مع أنه أبلغ عادة بإزالة الأوساخ والأقذار.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس»، فقوله صلى الله عليه وسلم: «ونق قلبي من الخطايا»، وخص القلب بالذكر لأنه سيد الجوارح وملك الأعضاء، فإذا استقام هذا الملك استقام أتباعه وسلموا من الأهواء.
وأكد على تنقية القلب من الذنوب والخطايا، ومحو أثر ما يتولد عنها من العيوب والرزايا.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس)، وذلك أن البياض هو أنقى ما يكون من الثياب واللباس، ويتأثر بأدنى شيء يصيبه من الأدران والأخباث والأنجاس.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب»، فقوله صلى الله عليه وسلم: «وباعد بيني وبين خطاياي»: أي أبعد عني أثر ذنوبي وسيئاتي، واعصمني فيما بقي من حياتي.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «كما باعدت بين المشرق والمغرب»، أي كتبعيدك بين المشرق الذي هو موضع الشروق ومطلع الأنوار، والمغرب الذي هو محل الأفول حيث يسدل الظلام حينها الستار.
ولما كان من الأمور المحالة التقاء المشارق والمغارب: وقع التشبيه بها طلبا للبعد عن الذنوب والمعائب.
وقد وقع في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلام والمقال: الإشارة إلى الأزمنة الثلاثة وهي أزمنة المضي والحضور والاستقبال.
فقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد»: فيه إشارة إلى الزمن الماضي الذي اقترف فيه العبد الذنوب والعصيان.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس»: فيه إشارة إلى الزمن الحاضر الذي يغفل فيه العبد ويسهو به الإنسان.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب»: فيه إشارة إلى الزمن المستقبل الذي هو غيب الدهور وخبيئة الأزمان.
ولأهمية هذه الدعوات الطيبات المباركات: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح بها الصلوات، لأن أكمل أحوال العبد أن يعترف بذنبه، وأنه لا غنى له طرفة عين عن مغفرة ربه.
فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنيه قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد» أخرجه البخاري ومسلم.
اللهم اغسل خطايانا بماء الثلج والبرد، ونق قلوبنا من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيننا وبين خطايانا كما باعدت بين المشرق والمغرب.
فالزم يا عبدالله هذا الدعاء وأنت مستيقين بأن ربك لدعائك مجيب، وأنه يخاطبك بقوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون).
نفعني الله وإياكم بهذا الدعاء، وفتح لإجابته أبواب السماء.