Note: English translation is not 100% accurate
معارف ولطائف.. بقلم: خالد الخراز
11 يوليو 2015
المصدر : الأنباء
الاعتصام
تضافرت أدلة الكتاب والسنة وأقوال السلف في التنبيه على هذا الأمر العظيم على كلمة عظيمة هي «الاعتصام بالكتاب والسنة»، وأن التمسك بهما سبب رئيس في النجاة من الفتن كلها. فمن أدلة القرآن على وجوب الاعتصام بالقرآن قوله عز وجل: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا..) وقد جاء عن السلف تفسيرات عديدة في المراد بالحبل، لا تعارض بينها، ومما ذكروا في تفسير الحبل أنه القرآن، وقال الطبري عند قوله سبحانه: (ولا تفرقوا): يعني جل ثناؤه بقوله: (ولا تفرقوا) ولا تتفرقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه من الائتلاف والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله.
وقد لخص العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله حقيقة الاعتصام بالقرآن بقوله في «مدارج السالكين» (3/303): «وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم، ومعقولاتهم، وأذواقهم وكشوفاتهم ومواجيدهم، فمن لم يكن كذلك فهو منسل من هذا الاعتصام، فالدين كله في الاعتصام به وبحبله، علما وعملا، وإخلاصا واستعانة، ومتابعة، واستمرارا على ذلك إلى يوم القيامة».
وإن هذا الأمر وهو الدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة قد جاء مقررا في القرآن بأساليب الترغيب.
قال تعالى: (يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا. فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما- النساء: 175).
وقال سبحانه: (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم- الزخرف: 43).
وقال عز وجل: (واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير- الحج: 78).
وقال سبحانه: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا- آل عمران: 103).
وهذه الآيات كثيرة في القرآن على وجوب الاعتصام بالله تعالى وبوحيه الله، وكذلك جاءت أدلة السنة على هذا النحو أيضا، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» رواه أبو داود (4607) وصححه الألباني.
وفي الحديث الآخر: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض» رواه الحاكم (1/192)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (2937).
كما أن الاعتصام هو الاجتماع على التمسك بما عهد الله به لعباده، وهو الإيمان وطاعة الله ورسوله والتمسك بالكتاب والسنة، وكذلك هو اجتماع المسلمين على الاستعانة بالله، والوثوق به وعدم التفرق.
قال ابن قيم الجوزية في «مدارج السالكين» (1/458): ومدار السعادة الدنيوية والأخروية: على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله، ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين.فأما الاعتصام بحبله، فإنه يعصم من الضلالة، والاعتصام به يعصم من الهلكة، فإن السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصده، فهو محتاج إلى هداية الطريق، والسلامة فيها، فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له، فالدليل كفيل بعصمته من الضلالة، وأن يهديه إلى الطريق، والعدة والقوة والسلاح التي بها تحصل له السلامة من قطاع الطريق وآفاتها.
فالاعتصام بحبل الله يوجب له الهداية واتباع الدليل، والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح والمادة التي يستلئم بها في طريقه».
والاعتصام بحبل الله هو التمسك بدينه والمحافظة على طاعته وما ذاك إلا امتثال لأمره سبحانه، كما أن الاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل.
وكذلك قال ابن القيم في «مدارج السالكين» (1/459): «وأما الاعتصام به: فهو التوكل عليه، والامتناع به، والاحتماء به، وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه، ويعصمه ويدفع عنه، فإن ثمرة الاعتصام به هي الدفع عن العبد، والله يدافع عن الذين آمنوا، فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به كل سبب يفضي به إلى العطب، ويحميه منه، فيدفع عنه الشبهات والشهوات، وكيد عدوه الظاهر والباطن، وشر نفسه، ويدفع عنه موجب أسباب الشر بعد انعقادها، بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه، فتفقد في حقه أسباب العطب، فيدفع عنه موجباتها ومسبباتها».
والأمر بالاعتصام يقابله النهي عن التفرق، وقد أكد المفسرون على أن النهي عن التفرق جزء أساسي من معنى الآية فهم يجمعون على ذلك النهي في تفسير قوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا- آل عمران 103)، إذ يقولون ما يفيد بالمجمل أن الله تعالى أمر المؤمنين بالتزام الجماعة، ونهاهم عن التفرق، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف ومنها:
وقد جاءت السنة بالوصية بالتمسك بحبل الله والاعتصام به، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم: أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» رواه مسلم (1715).
قال الإمام الزهري: «الاعتصام بالسنة نجاة لأن السنة كما قال مالك: مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك».
وقد وقع ذلك الافتراق في هذه الأمة بسبب عدم الاعتصام فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وما تبقى ففي النار.