Note: English translation is not 100% accurate
خواطر
الأثر الإصلاحي للحضارة الإسلامية - بقلم: د. عجيل النشمي
28 أغسطس 2015
المصدر : الأنباء
د. عجيل النشمي
لولا هذا الخلق السامي الذي رسخته الحضارة الإسلامية في تعاملها مع الشعوب غير الإسلامية لما ساد الإسلام قرونا متطاولة، ولما دخلت تلك الشعوب في الإسلام أفواجا، ولما انقلبت خصومتها وعداؤها الى حب وتمسك بالإسلام، وفدائه بأموالهم وأنفسهم.
وهكذا كان الحال مع المغول، والبربر، وغيرهم، ورغم ما حدث من معارك ضارية في فتوح الشام، ودخول المسلمين منتصرين إلا انه بقيت الكثرة الغالبة من أهل بلاد الشام مسيحية حتى القرن الثالث الهجري، ويذكر المؤرخون انه كان في بلاد الشام في عصر المأمون احد عشر ألف كنيسة، كما كان فيها عدد كبير من هياكل اليهود، ومعابد النار، فلم يستعجل المسلمون إسلام شعوب البلاد المفتوحة، حتى دخلوا في الإسلام طواعية، فحملوا الدين في قلوبهم قبل ان يحملوا السيف دفاعا عنه، بل اتخذوا لغة القرآن العربية لغتهم.
ولقد أدرك هذه الثمار بعض المؤرخين الغربيين، ونترك «ول ديورانت» يصف لنا هذه الحقيقة التاريخية الناصعة فيقول: ان التسامح الديني الذي كان ينتهجه المسلمون الأولون، أو بسبب هذه الخطة، اعتنق الدين الجديد معظم المسيحيين، وجميع الزردشتيين، والوثنيين إلا عددا قليلا جدا منهم، وكثيرون من اليهود في آسيا ومصر وشمال أفريقيا. فقد كان من مصلحتهم المالية ان يكونوا على دين الطبقة الحاكمة، وكان في وسع أسرى الحرب ان ينجوا من الرق إذا نطقوا بالشهادتين، ورضوا بالختان. واتخذ غير المسلمين على مر الزمن اللغة العربية لسانا لهم، ولبسوا الثياب العربية، ثم انتهى الأمر باتباعهم شريعة القرآن، واعتناق الإسلام. وحيث عجزت «الهلينية» عن ان تثبت قواعدها بعد سيادة دامت ألف عام، وحيث تركت الجيوش الرومانية الآلهة الوطنية ولم تغلبها على أمرها، وفي البلاد التي نشأت فيها مذاهب مسيحية خارجة على مذهب الدولة البيزنطية الرسمي، في هذه الأقاليم كلها انتشرت العقائد والعبادات الإسلامية، وآمن السكان بالدين الجديد وأخلصوا له، واستمسكوا بأصوله إخلاصا واستمساكا أنساهم ـ بعد وقت قصير ـ آلهتهم القديمة. ولم يكن هذا خاصة بدول وشعوب محددة فيقول «ول»: لقد استحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلاد الممتدة من الصين واندونيسيا، والهند، الى فارس، والشام، وجزيرة العرب، ومصر، وإلى مراكش، والأندلس، وتملك خيالهم، وسيطر على أخلاقهم، وصاغ حياتهم، وبعث فيهم آمالا تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها، وأوحى إليهم العزة والأنفة، ووحد هذا الدين بينهم، وألف قلوبهم على ما كان بينهم من الاختلافات والفروق السياسية.