اعلموا رحمني الله وإياكم أن الله تعالى هو مولاكم، وأن حفظ الله تبارك وتعالى لعبده المؤمن على نوعين، وكل نوع منهما مما ينشرح به الصدر وتقر به العين، فالأول: حفظ الله تعالى لعبده المؤمن بما يصلح له شؤون دنياه، والثاني: حفظ الرب سبحانه له بما يصلح له شؤون دينه وأخراه.
وأعظم ما حفظ به الحافظ تعالى دين العبد على التمام أن يحفظه سبحانه وتعالى بالتمسك بعروة دين الإسلام، فيحفظ بالإسلام حال الرقود وحال القعود وحال القيام، فعن هاشم بن عبدالله بن الزبير رحمه الله تعالى: «أن عمر بن الخطاب أصابته مصيبة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه ذلك، وسأله أن يأمر له بوسق من تمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت أمرت لك بوسق من تمر، وإن شئت علمتك كلمات هي خير لك.
قال: علمنيهن، ومُر لي بوسق فإني ذو حاجة إليه.
فقال: قل: اللهم احفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإسلام قائما، واحفظني بالإسلام راقدا، ولا تُطع فيّ عدوا حاسدا، وأعوذ بك من شر ما أنت آخذ بناصيته، وأسألك من الخير الذي هو بيدك كله» أخرجه ابن حبان.
والله تبارك وتعالى هو الذي يحفظ العبد في الحضر، كما يحفظه الرب سبحانه كذلك الصاحب بالسفر، لأنه تبارك وتعالى أجل من استُرعي من أمانات وودائع، فهو جل جلاله الحفيظ فإذا استودع شيئا فليس بضائع، قال مجاهد بن جبر، رحمه الله تعالى: «خرجت إلى الغزو أنا ورجل معي، فشيّعنا عبدالله بن عمر، فلما أراد فراقنا قال: إنه ليس معي مال أعطيكما، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا استودع الله شيئا حفظه، وإني أستودع الله دينكما، وأمانتكما، وخواتم عملكما» أخرجه النسائي في سننه الكبرى.
وعن سالم بن عبدالله، رحمه الله تعالى، قال: «كان أبي عبدالله بن عمر إذا أتى الرجل وهو يريد السفر قال له: ادنُ، حتى أودعك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعنا، فيقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك» أخرجه أحمد وأبوداود والترمذي وابن ماجه.
فالله تبارك وتعالى هو الصاحب في السفر، وهو الذي يحفظ المسافر، فمن عجيب حفظ الله سبحانه لعبده وهو مما تستعظمه الصدور أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من الأذى والشرور، فعن محمد بن المنكدر، رحمه الله تعالى: «أن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ركبت البحر، فانكسرت سفينتي التي كنت فيها، فركبت لوحا من ألواحها، فطرحني اللوح في أجمة - وهي غابة ذات الشجر المتكاثف- فيها الأسد، فأقبل يريدني، فقلت: يا أبا الحارث -وهي كنية الأسد- أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطأطأ رأسه، وأقبل إلي، فدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة، ووضعني على الطريق، وهمهم، فظننت أنه يودعني، فكان ذلك آخر عهدي به» أخرجه الطبراني والحاكم.
ثم اعلموا رحمني الله واياكم ان الله تعالى هو مولاكم، فمن حفظ حدود الله تعالى وراعى حقوقه وجد الله تعالى معه في كل احواله، فيحوطه الحافظ سبحانه حيث توجه وينصره ويحفظه في نفسه وأهله وأمواله، لان حفظ العبد لحدود الشرع هو خير عنوان، على بلوغ العبد لمرتبة التقوى ومرتبة الاحسان، قال الله تعالى: (ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.. النحل 128).
اللهم احفظنا بالاسلام قاعدين، واحفظنا بالاسلام قائمين، واحفظنا بالاسلام راقدين، ولا تطع فينا الأعداء الحاسدين، ونعوذ بك من شر ما أنت آخذ بناصيته، ونسألك من الخير الذي هو بيدك كله.