مما لا شك فيه ان المناداة بتطبيق الشريعة الاسلامية في هذه الفترة الحرجة من تاريخ أمتنا وفي العديد من الدول أمر يستلزم منا الوقوف عنده، والتشجيع له، وان دل هذا على شيء فإنما يدل على حرص الشعوب على تطبيق الشريعة الاسلامية، وإدراك منهم لقصور القوانين الوضعية عن تلبية طلبات المجتمع وحاجة نصوصها للتغير كلما تغيرت أحوال وظروف المجتمع، ما زعزع ثقة الناس بها. وإذا أريد للأحكام الشرعية ان تؤدي دورها في الاسرة والمجتمع وتعود عليهما بالطمأنينة والاستقرار، فلا بد من إبراز حقائق مهمة:
الحقيقة الأولى:
ان تطبيق التشريع الاسلامي يحتاج الى وعاء اسلامي يزاول فيه أحكامه، بمعنى انه يحتاج الى أوضاع اسرية واجتماعية اسلامية يعالجها ويضع الحلول لمشاكلها.
واذا كان مستحيلا ان يطبق هذا النظام على مجتمع لا يدين بالاسلام، فإنه من العسير تحقيق احكام هذا التشريع في مجتمع اسلامي تكدرت فيه بعض المشارب الاسرية والاجتماعية، وبعدت عنه في بعض النواحي، فلابد من ازالة هذا الكدر، وتقريب هذا البعد، حتى يزاول التشريع الاسلامي مهمته، فيعالج اوضاعا مطلوب منها ان تكون اسلامية.
ولذا، لابد ان يسبق التطبيق تعديل للاوضاع الاسرية والاجتماعية المخالفة لهذا التشريع، والذي يجعلنا نقرر هذه الحقيقة هو ان الاحكام الشرعية الاسلامية تختلف اختلافا واسعا عن القوانين الوضعية، من حيث كيفية معالجة المشاكل الاسرية والاجتماعية، ومن حيث التصور لطبيعة هذه المشكلات وربطها بالواقع الاجتماعي التربوي.
ذلك ان القوانين الوضعية تنبثق من واقع الناس، سواء أكان هذا الواقع صوابا ام خطأ، هذا الواقع الذي يفرض علاجا معينا يتضمنه القانون، ولذلك يحتاج القانون الى تعديل مستمر كلما تغيرت اوضاع الناس، وواقعهم، وتصوراتهم، فالناس ـ في اي مجتمع ـ هم الذين يخلقون القانون ويكيفونه حسب رغباتهم وأهوائهم، والضوابط العامة تختلف حسب تصور الناس من مجتمع إلى آخر.
فإذا تعارف الناس في مجتمع على أكل الربا شرعوا القوانين لإباحته، وإن هم تعارفوا على اقتراف الزنا شرعوا من القوانين ما يجيزه ويحميه، وهكذا يصوغ الناس القانون. فالقانون مادة طيعة بأيديهم تحكي أفكارهم، وتصوراتهم، ومن ثم واقعهم صحيحا كان او خاطئا.
أما أحكام الشريعة الاسلامية فتختلف عن القوانين الوضعية من هذه الناحية، فهي ليست من صنع الناس والمجتمع، ولا دخل لهما ـ بصورة صغيرة ولا كبيرة ـ فيها، وإنما هي من وضع الخبير العليم جل وعلا، فالتشريع الاسلامي تشريع نزل كاملا، ليطبق على اوضاع اجتماعية خاصة، رسمها القرآن والسنة، وبينا حدودها ومواصفاتها، وهذه الحدود والمواصفات يمكن تكرارها على مر الزمان، فهي لا تتقيد بوقت او زمن ما، مع بقاء الأحكام الشرعية هي هي، دون تغيير ولا تبديل، وما على الناس الا ان يكيفوا أنفسهم حسب ما طلبه هذا الدين الحنيف لتطبيق احكامه عليهم، نقول هذا احساسا منا بأن هناك بعض الجوانب في اوضاعنا الاجتماعية سوف تصطدم مع احكام هذا التشريع، فينبغي ان تعدّل هذه الاوضاع قبل ان تطبق الاحكام، لئلا نضطر الى لي عنق هذه الأحكام كي توافق اوضاعنا، وحين نفعل ذلك يفقد التشريع هويته، ويصبح اي شيء آخر غير التشريع او الحكم الإسلامي!