سورة مكية فيها إثبات صدق رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإثبات وحدانية الله عزّ وجلّ ويلفتنا إلى إثباتها بالنظر في الآيات الكونية والنظر في سنن الله عزّ وجلّ التي لا تتغير وأنه سبحانه هو الغالب الرحيم (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) بعزته أهلك الكافرين المكذبين، وبرحمته نجى موسى ومن معه أجمعين
كيف تحاور الآخرين؟
(واتل عليهم نبأ إبراهيم) اقصص عليهم يا محمد خبر إبراهيم وحديثه.
هذا أمر من الله لنبيه أن يخبر قريشا التي كانت تفتخر بأنها من سلالة إبراهيم، لكنها في جوهر الأمر خالفت الأمر، فلذلك وجه الله الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو أكثر الأنبياء شبها وجسدا ومعنويا بإبراهيم عليه السلام، وقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم إبراهيم في المعراج، وأخبرنا بأنه أقرب الناس شبها بإبراهيم (واتل عليهم) سؤال إنكاري وتقريع لهم (ما تعبدون ؟) أي شيء يعبدون وهو يعلم أنهم يعبدون الأصنام، ولكنه أراد إلزامهم الحجة وتقريعهم، (قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين)، اعتراف بأنهم يصنعون بأيديهم الأصنام ويعبدونها.
والسورة فيها تعليم كيف تحاور الآخر، فيقول: (هل يسمعونكم إذ تدعون؟) هل رأيتم منهم نفعا أو خيرا؟ المشاهد ان في هذا قمة الحوار المنطقي فكان ردهم غير المقنع: (وجدنا آباءنا كذلك يفعلون).
مصيبة التقليد
يحذرنا الله تعالى من التقليد الأعمى ويعلمنا أن المؤمن على بصيرة، عالم بدينه متبع للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولكن هؤلاء الكفرة اتباع أعمى، وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من ان نكون أمعة، وهذا مدخل للبدع على الإنسان حيث يرى البدعة فيظن أنها صحيحة، فإذا سألته يقول: الناس يفعلون هذا، فيجب ان يحذر الإنسان وأن تتفتح العقول وأن نشغلها على ألا تحيد عن منهج الله تعالى، وهناك امور كثيرة يفعلها الناس وهي ليست من الدين.
والتقليد يؤدي إلى بدعة وصاحب البدعة يدافع عنها فلابد من تحصيل العلم الشرعي، فإذا أردت ان تقلد فقلد نبيك واقتدِ به وقلد العلماء واقتدِ بهم.
وقفات مع الحوار
كان إبراهيم عليه السلام يسعى إلى إقناع المخالفين بالحجة لا غير، ويعتمد في حواره على مخاطبة العقل الذي كرم الله تعالى به العباد، ولأجل ذلك قال لهم: (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون)، وقال: (أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم) ويدل ذلك على أن دين الله ليس فيه شيء مخالف للعقل الصحيح السليم بل دين الله تعالى، والعقيدة التي أمرنا بها الله تعالى فطرية عقلية منطقية ليس فيها شيء من المتناقضات ولا من المستحيلات، ونجد في الحوار طريقة اهل الباطل في مقارعة اهل الحق، ومن ذلك الاستهزاء لما قالوا له: (أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين) ونجد ابراهيم عليه السلام يعرض عن ذلك لأنه يريد في حواره هداية الناس الى الحق وإلى الخير والنجاة، لذلك قال: (بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين) ومن ديدن أهل الباطل في دفع الحق الاستدلال بتقليد الآباء والأجداد وذلك في قولهم (وجدنا آباءنا لها عابدين) وهذه ليست حجة قوم ابراهيم فقط، بل هي حجة غيرهم من الاقوام الذين اصروا على الكفر. ولايزال الى يومنا هذا يكذب محمد صلى الله عليه وسلم بالحجة ذاتها، وقد أبطل هذه الحجة ابراهيم عليه السلام بقوله (لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين).
ومن طريقة اهل الباطل في دفع الحق استعمال القوة وهذا سلاح العاجزين المفلسين دائما.