(طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين).
يخبر الله تعالى على عظمته بهذه الآيات ذات المكانة العلية، والآيات لغة هي العلامة الواضحة والدليل البين الذي لا يحتاج معه إلى برهان، فإنه في حد ذاته آية قاطعة دليل على الحق وبيان لكل حق، هي واضحة في ذاتها، موضحة لكل حق، فيها بيان لكل ما تحتاجه أيها الإنسان للوصول إلى جنات الرحمن، آيات دعت إلى معرفة الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الكاملة.
هبة ومنة عظيمة
يقول الله عزّ وجلّ هذا الكتاب فيه خاصية وفيه هبة ومنة من الله عز وجل (هدى وبشرى للمؤمنين) هذا الكتاب فيه الهدى، فيه الدلالة على الحق، فيه الهداية التي فيها الثبات على هذا الحق، فيه الهداية حتى تلزم الصراط المستقيم وتصل إلى الله عزّ وجلّ و(بشرى) بكل شيء، البشرى الخبر بما تحب كما تحب يبشرك الله عزّ وجلّ به من خلال هذا القرآن.
ضبط السلوك
(الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون) وصفهم سبحانه وتعالى بأنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ووصف بالعقيدة الكاملة في قلوبهم، قال عندهم علم كامل لا شك فيه باليوم الآخر وبالبعث وبالميعاد، وهذا العلم وهذه العقيدة اليقين التام بأن هناك آخرة وهناك حساب ولقاء الله عزّ وجلّ وهذا اليقين التام هو الذي يضبط سلوكهم في هذه الدنيا، لأن السلوك ترجمان العقيدة (وهم بالآخرة هم يوقنون) فقد بلغ معهم الإيمان إلى أن وصل إلى درجة اليقين.
زين لهم أعمالهم
وفي المقابل وبضدها تتمايز الأشياء، والقرآن مثاني، إذا ذكر حالة ذكر ما يقابلها، قال عزّ وجلّ (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون) يخبرنا الله عزّ وجلّ عن الحالة المقابلة فهم من اختاروا ان يكونوا على الكفر، فلما اختاروا الكفر زين الله لهم هذه الأعمال وظنوا انها حسنة (فهم يعمهون) مازالوا يترددون في حيرة واضطراب وشك وهذه حال من لا يؤمن بالله فإن عاقبة الكفر وعدم التصديق امران يرى فيها الكافر عمله السيئ حسنا ويظل في تردد وحيرة لا يخرج منها حتى يموت، فهؤلاء حائرون مترددون فقد انقلبت بهم الحقائق فرأوا الباطل حقا والحق باطلا.
الأخسرون
(الذين لهم سوء العذاب)
وقال عزّ وجلّ: (وهم في الآخرة هم الأخسرون) اللفظ القرآني له دلالته وله معناه، لم يقل عزّ وجلّ هم الخاسرون، قال الأخسرون، الإنسان الخاسر قد يخسر شيئا واحد، ولكن الإنسان الأخسر الذي خسر كل شيء، يخسر نفسه وأهله يوم القيامة وخسروا الإيمان الذي دعتهم إليه الرسل.
حكيم عليم
ثم يخاطب الله عز وجل نبيه الكريم، مثبتا لقلبه، مسليا له عما يجد من عنت قومه قال: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) هذا القرآن الذي يوحى إليك إنما هو وحي رباني من لدن، أي من عند الله عزّ وجلّ ووصف الله ذاته العلية سبحانه وتعالى بحكيم في تدبير امره وعليم بكل احوال خلقه، حكيم يضع الاشياء في مواضعها وينزلها منازلها (عليم) بأسرار الخلق وبواطنها، وإن كان من عند (حكيم عليم) علم كله حكمة ومصالح للعباد.
قصة موسى
ويسلي الله عزّ وجلّ نبيه الكريم بقصص من قبله من الأنبياء فيذكر له قصة موسى عليه السلام، قال: (إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) في هذا المشهد من قصص نبيه موسى عليه السلام، في تلك اللحظة المباركة التي كلم الله فيها نبيه موسى وكلفه بالرسالة فإن موسى عليه السلام كان مرتحلا مع أهله في ليلة باردة يغلبها ظلام، فيستعلم عن اخبار الطريق (إلى آخر القصة) فلما ضل الطريق في الظلام فقال (إني آنست نارا) أي أبصرت نارا من بعيد (سآتيكم منها بخبر) عن الطريق (أو آتيكم بشهاب قبس) أي بالنور والشهاب عند العرب كل ما فيه نور وهو العود الذي في آخره الشعلة، وقبس جزء من النار (لعلكم تصطلون) أي تدفئون، فلما جاء موسى النار ناداه الله عزّ وجلّ. رأى موسى نورا ونارا عظيمة في شجرة في هذا الواد، (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها) وقد أخبرنا الله في مواضع أخرى من القرآن أنه ناداه يا موسى (يا موسى إنه أنا الله) ويقول المفسرون فيها أدب الإيناس للمخاطب وذهاب الوحشة التي به.
يقول عزّ وجلّ (يا موسى) ناداه باسمه وفي هذا النداء ايضا إيناس له (إنه أنا الله العزيز الحكيم) يخبره الله بأنه هو المألوه وحده المستحق للعبادة وحده الذي لا يؤله غيره ولا يعبد سواه وأنه سبحانه عزيز، عز كل شيء وغلب كل شيء وقهر كل شيء وهو الحكيم في خلقه وفي أمره.