- المسباح: استغلال لحاجة الناس ويجوز تدخل ولي الأمر
- الغانم: إذا كان في التسعير ظلم على المورد أو المستهلك فلا يصح
- الشطي: هناك مذهبان أحدهما يحرم التسعير وآخر يجيزه
- السويلم: احتكار السلع من المخالفات لقانون 72 لسنة 2020
كثرت الشكاوى في الآونة الأخيرة وبعد انتهاء جائحة كورونا من ارتفاع الاسعار، حيث قام بعض التجار بزيادة اسعار السلع الضرورية سواء الغذائية او الاستهلاكية، فما حكم الشرع في رفع الاسعار؟ وهل تسعير السلع ضروري؟
يقول الشيخ د. ناظم المسباح ان ارتفاع الاسعار غير المبرر مخالف للعدل ومخالف لقيم الاسلام التي حثت على التعاون والتكافل بين المسلمين، ونهت عن استغلال حاجتهم لبعض السلع الاساسية.
وعن مواجهة هذه الظاهرة، أكد المسباح ان المواجهة تتم عن طريق الحملات الحكومية والشعبية للقضاء عليها، ويجوز تدخل ولي الأمر أو من ينوب عنه في تسعير بعض السلع لمنع الظلم من قبل بعض التجار، لاسيما ان الشريعة قد جاءت بإزالة الضرر عموما وتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام مراعاة للمصلحة العامة.
واستدل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم «لا ضرر ولا ضرار»، فالتسعير ان يسعر الإمام أو نائبه على الناس سعرا يجبرهم على التبايع به، والراجح فيه الجواز عند الحاجة العامة، لاسيما إذا كانت الاسعار قد رفعت لأسباب مفتعلة، بحيث يكون فيها ظلم واقع على المستهلكين فيجوز التسعير حينئذ للمصلحة، وهي رفع الظلم عن المستهلكين، وثانيها الا يكون سبب الغلاء قلة العرض أو كثرة الطلب.
من جهته، قال د. بسام الشطي: ان هناك صمتا مريبا من اصحاب القرار لما يرونه ويلمسونه ويسمعون به من ارتفاع الاسعار دون مبرر يذكر، وتساءل: لماذا لا تسأل الوزارة المختصة نفسها ما الذي حدث في الاسعار وارتفاعها بهذا الشكل؟ ولماذا يتفاوت السعر من جمعية إلى أخرى ومن سوق تجاري الى شبرة الخضار؟
وأضاف: مع كثرة الشكاوى من المواطنين والمقيمين حول زيادة اسعار السلع من ناحية، ومن ناحية أخرى يحتكر بعض التجار سلعا مهمة وضرورية ثم يرفع سعرها وينزلها للأسواق.. وبين د. الشطي رأي الشرع في تسعير السلع، فقال: هناك مذهبان، مذهب يحرم التسعير ويمنعه ومذهب يجيزه، وقد استدل المانعون للتسعير بأدلة منها حديث أنس رضي الله عنه قال: غلا السعر في المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا».
مظلمة
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرزاق وإني أرجو أن ألقى الله عز وجل وليس أحد منكم بطلبي بمظلمة من دم ولا مال» وعن أدلة المنع، بين د. الشطي وجه الدلالة في هذا الحديث من وجهتين أحدهما انه لم يسعر، وقد سألوه ذلك ولو جاز لأجابهم اليه، والثاني انه علل الامتناع عن التسعير بكونه مظلمة والظلم حرام.
وما رواه مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبا له في السوق فقال له عمر رضي الله عنه: «إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا» فلما رجع عمر رضي الله عنه حاسب نفسه ثم أتى حاطبا في داره فقال: إن الذي قلت ليس بعزيمة مني ولا قضاء إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئنا نبيع وكيف شئنا نبيع».
سبب الغلاء
ولفت د. الشطي إلى أن التسعير سبب الغلاء، لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يأتوا بسلعهم الى بلد يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون، ومن عنده بضاعة يمتنع عن بيعها ويكتمها ويطلبها أهل الخاصة فلا يجدون إلا قليلا، فيرفعون من ثمنها فترتفع الاسعار ويحصل الاضرار بالجانبين، جانب الملاك في منعهم من بيع املاكهم، وجانب المشتري من منعه من الوصول الى غرضه فيكون حراما.
وبين د. الشطي ان هذه الادلة لا تدل على المنع في التسعير كقاعدة عامة، ولكنها تدل على المنع في التسعير.
واضاف، ومن الاحوال العادية التي يكون التسعير فيها مجحفا بحق البائع الذي يقوم بما يجب عليه من امتناع عن الاحتكار أو التواطؤ لإغلاء الاسعار ورفعها وذلك ان الامتناع عن التسعير جاء معللا والاحكام تدور مع العلة وجودا وعدا.
موضحا ان الحديث الشريف يبين ان الرسول صلى الله عليه وسلم امتنع عن التسعير نظرا لأن فيه مظلمة، وذلك لأنه لم يكن هناك ما يقتضي التسعير في ذلك الوقت، لأن ارتفاع الاسعار لم يكن بفعل التجار واحتكارهم وإنما كان ذلك نتيجة لعوامل اخرى لا شأن لهم بها.
وعن الحالات التي يجب ان تتدخل فيها الدولة بتسعير السلع قال د.الشطي: على الدولة ان تتدخل وتجبر التجار على بيع سلعهم وتسعيرها في حال حاجة الناس الى السلعة وإذا حدث احتكار لها، وفي حالة الحصر (حصر البيع على أناس مخصوصين) وفي حالة تواطؤ البائعين فإذا اقتضت المصلحة والعدل في التسعير فإنه واجب ولي الأمر أن يفعل ذلك ولكن يجب ان يحقق هذا السعر العدالة والا يكون مجحفا بأحد الطرفين البائع والمشتري ولتحقيق ذلك يستعان بأهل الخبرة والرأي.
الاحتكار والتسعير
وحول رأي الشارع في احتكار السلع يقول الشيخ صالح الغانم: لقد ذم الاسلام الاحتكار والمحتكرين واعتبر التاجر المحتكر «خاطئا» حيث اقتات على ازمات الناس وتربح من حاجاتهم قال صلى الله عليه وسلم «لا يحتكر إلا خاطئ» ولاشك أن الأمر ينصب على احتكار المواد الضرورية والاقوات الاساسية للمعيشة (كالقمح والارز والملح والسكر وغيرها من الاقوات) والواجب على من بيده الأمر منع التجار من احتكار هذه الاطعمة والاقوات لئلا يؤدي ذلك إلى غلائها غلاء فاحشا يضر بالفقراء ما يوصلهم الى حد الهلاك.
وأما عن التسعير فقد غلا السعر بالمدينة فقال الناس يا رسول الله «سعر لنا» فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو القابض الباسط وإني أرجو الله أن ألقاه وليس يطلبني أحد منكم بمظلمة في عرض أو مال» وهذا يبين ان التسعير ان كان فيه ظلم على المورد او المستهلك فلا يصح، اما اذا كان يؤدي إلى مصلحة المسلمين فلا يوجد ما يمنع منه.
قانون حماية المستهلك
ويبين المحامي منصور السويلم موقف القانون من غلاء واحتكار الاسعار فيقول: الدول دائما ما تسعى لتوفير احتياجات المواطن من السلع والخدمات من خلال توفيرها بسعر مناسب، وأحيانا تقوم بتوفير دعوم مالية على بعض السلع حيث تتكبد الدولة جزءا من ثمنها ليحصل المواطن على احتياجه من السلعة بثمن مناسب، وفي سبيل محاربة بعض الممارسات التي تعوق وصول السلعة للمستهلك بسعر مناسب نظم القانون رقم 10 لسنة 1979 بشأن الإشراف على الاتجار بالسلع وتحديد اسعارها حيث نصت المادة 2 على «يحظر العمل على ارتفاع اسعار السلع ارتفاعا مصطنعا ويعتبر من وسائل ذلك اذاعة اخبار غير صحيحة بين الجمهور أو تخزين او اخفاء كميات من السلع بقصد تحقيق ربح لا يكون نتيجة طبيعية لواقع العرض والطلب.
وعاقبت المادة «14» من ذات القانون بعقوبة الحبس مدة لا تقل عن 3 أشهر ولا تزيد عن 3 سنوات وغلق المحل على كل من يخالف أحكام المادة «2».
وأيضا المادة «24» من قانون حماية المستهلك رقم 39 لسنة 2014 حظرت اخفاء اي سلعة او عدم بيعها بغرض التحكم بأسعار السوق، ويعد احتكار السلعة أيضا من المخالفات الواردة بالقانون رقم 72 لسنة 2020 بشأن حماية المنافسة والذي عاقب كل من يقوم بالممارسات الواردة في المادة «4» والتي منها الاحتكار بالعقوبة المنصوص عليها بالمادة «19» وهي الغرامة التي لا تتجاوز مائة ألف دينار أو ما يساوي قيمة المكاسب غير المشروعة المحققة أيهما أكبر ويجوز الحكم بإيقاف النشاط.
فاحتكار السلع يعد سلوكا اجراميا يقع تحت طائلة عدة قوانين، قانون حماية المنافسة وقانون حماية المستهلك وقانون التجارة وقانون الاشراف على الاتجار بالسلع وتحديد الاسعار.
التسعير جائز عند الحاجة إليه.. ومحرم في بعض الأحوال
التسعير في اللغة: هو تقدير السعر.
والمراد به هنا: تقدير السلطان أو نائبه سعراً، وإجبار الناس على التبايع به.
قال شيخ الإسلام: وحقيقته: إلزامهم ألا يبيعوا أو لا يشتروا إلا بمثل الثمن ا.هـ.
والتسعير بهذا المعنى محل خلاف بين العلماء في جوازه لولي الأمر ليلزم الناس به.
اختيار ابن تيمية:
اخــتار شـــيخ الإســـلام ابن تيمية - رحـــمــــه الله - جـــواز التسعير عند الحاجة إلـــيه، وأنـــه كما يكون محــــرماً فــــي بعـــض الأحوال فـــإنه يجـــوز في بعضـــها بل قد يجب، خــلافاً للمشهور من مــــذهب الحنابلة.