- الإمام البخاري اعترف له علماء عصره بالدقة وصدق المنهج ومخافة الله في عمله.. و الإمام مسلم اهتم بجمع الصحيح من الحديث والتنقل بين البلدان الإسلامية في سبيل ذلك
- الشيخان اعتمدا على رواة يوثق بهم لذا فإن من نتيجة ذلك أن يطمئن المسلمون إلى ما ورد في صحيحيهما
- الله حفظ كتابه وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم بأن قيّض له من يجمعه ويوثقه في رواته وعلماء الحديث كشفوا زيف «الموضوعة»
- النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه بكتابة ما يسمعونه منه فزال ما كان يخشاه صلى الله عليه وسلم على أمته من الخلط بين القرآن الكريم وحديثه إليهم
- خامس الخلفاء الراشدين وجّه لجمع الأحاديث النبوية.. والبخاري كان أول من اتجه إلى الاقتصار على ذكر الصحيح فقط
- البخاري عُرف بالورع والصدق وسماحة النفس والتواضع وحسن العبادة وطلب العلم وعرض كتابه على كبار علماء عصره
- المشككون في صحيح البخاري هدفهم الوصول إلى التشكيك في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم كلها والتقليل من السنن
دعاني إلى كتابة هذا الموضوع ما تم تداوله بين بعض الفئات هنا حول التشكيك فيما ورد من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد اهتمامي بهذا الأمر عندما تبين لي أن عددا من الناس صاروا لا يعتمدون على كل ما ورد في كتب الحديث الصحيحة، ويكتفون على حد قولهم بالقرآن الكريم.
ولما كان هذا الرأي - دون شك - من الآراء الضالة المنافية لدين الإسلام فقد وجدت من الضرورة أن أذكر هنا ما يدل على ضلال من قال به واعتقده.
وممن تنبه إلى بدايات ظهور هذه البدعة بين بعض الناس رجل فاضل من تابعي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عبدالله بن زيد الجرمي المشهور بأبي قلابة، وكان ممن سمع الحديث الشريف عن أبي هريرة ومالك بن أنس ومعقل بن يسار وغيرهم. وقد قال أبو قلابة في شأن أولئك الذين لا يعتدون بالحديث قولا يعتبر شهادة ضدهم، فقد أجاب - يوما - على سؤال سائل له عن أمثال هؤلاء، فقال: «إذا حدَّثت الرجل بالسُّنة فقال: دعنا من هذا، وهات كتاب الله، فاعلم أنه ضال».
وكان يسمى أمثال هذا الرجل الذي ضرب به المثل: أهل الأهواء، فهم يتبعون أهواءهم لا ما يأمر به الدين الحنيف وكان يطلق عليهم أيضا اسم: أهل البِدَع، وكان يرى أن صاحب البدعة خارج عن الدين، وقد قال عنه: «ما ابتدع رجل بدعة إلا استحق السيف»، ذلك لأن المبتدع خارج عن الإسلام، ولو ادعى أنه مسلم.
ولقد قيض الله عز وجل لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم من یُعنی به ويحرص على تمحيص رواته حتى يستبعد منهم من فيه شك بأي صفة من الصفات، وفق معايير ثابتة وضعها علماء الحديث وضمنوها علما مستقلا أطلقوا عليه اسم: علم مصطلح الحديث. ولئن كان المحدِّثون قبل الإمام البخاري يجمعون الأحاديث وينسبونها إلى رواتها دون تدقيق في أحوال هؤلاء الرواة اعتمادا على أن الناس - في وقتهم - كانوا قريبين من عهد الرسالة، وبإمكانهم معرفة المخطئ والمصيب من الرواة فإن هذا الإمام، وهو في أوائل القرن الثالث الهجري، وجد أنه من المهم التدقيق وإخراج من فيه شك من الرواة والاقتصار في الأحاديث على الصحيح الموثوق بأنه ورد عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لذا فقد أطلق هذا الرجل الجليل على مجموعة الأحاديث التي جمعها اسم: الصحيح، وعرف باسم صحيح البخاري. وقد اعترف له علماء عصره بالدقة وصدق المنهج ومخافة الله في عمله.
ولقد كان الإمام مسلم بن الحجاج معاصرا للإمام البخاري وكان مثله مهتما بجمع الصحيح من الحديث كثير الرحلة بين البلدان الإسلامية في سبيل ذلك وله كتاب مشابه لصحيح البخاري سمّاه: صحيح مسلم، وهما في عملهما هذا قد قاما بخدمة دينهما، وصيانة حديث الرسول الكريم، لذا فإن الرجوع إلى هذين الكتابين عند التماس الحديث رجوع صائب، ونحن لا ننكر الجهود الأخرى التي بذلت كما بذل هذان الرجلان لكننا نرى عملهما قد جاء وفق شروط مشددة بحيث يؤخذ ما ورد فيهما بالتسليم.
هذا وكان تشابه هذين العملين واضحا، فقد كان عدد صافي أحاديثهما 4 آلاف حديث لكل صحيح من هذين الصحيحين. ولأن الأحاديث التي وردت بالكتابين بلغت 1906 أحاديث. ولأن هذه الأحاديث متماثلة فقد جمعها الأستاذ محمد فؤاد عبدالباقي وشرحها، ونشرت عدة مرات منها الطبعة التي أصدرتها - مشكورة - وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت.
لقد كان الشيخان البخاري ومسلم أحرص الناس على صحة الحديث، فنقلاه اعتمادا على رواة يوثق بهم، لم يجرب عليهم كذب، ولم تُر منهم غفلة، لذا فإن من نتيجة هذا الاهتمام أن اطمأن المسلمون إلى ما ورد في هذين الصحيحين، مع عدم إهمال غيرهما من كتب الحديث الأخرى التي وُضعت قبلهما أو في عصرهما، علما بأن المنهج الذي اتبعه هذان الشيخان كان أكثر دقة في تناول الأحاديث، وذلك لأن اهتمامهما كان كبيرا بمعرفة أحوال الرواة والتأكد من عدم وجود من لا يُوثق به بينهم حتى يكون الحديث بعيدا عن الشك.
وهذا وحده يبين لنا مدى خطأ الذين يعتمدون في دينهم على القرآن الكريم وحده بحجة اختلاف الرواة، وهؤلاء نذكرهم بأمرين:
أ- ضرورة الأخذ بالحديث الشريف في العبادات وفي غيرها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
- تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي.
- خذوا عني مناسككم.
- صلوا كما رأيتموني أصلي.
- قول الله عز وجل:
«وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله، إن الله شديد العقاب». سورة الحشر، الآية رقم 7.
ب- إن علماء المسلمين لم يتركوا الذين يلفقون أحاديث ثم يقومون بنسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنشأ نتيجة اهتمامهم هذا علم مصطلح الحديث الذي به يستطيع المشتغل بأحاديث رسول الله أن يدرك ما التزم به العلماء في هذا الشأن، وقد صار هذا العلم مقياسا لصحة كل حديث، وصار معتمدا للدراسة بكليات الشريعة في العالم الإسلامي كله.
وإلى جانب ذلك، فقد ظهر علم له ارتباط بمصطلح الحديث هو علم الرجال، وفيه تتم معرفة الرجال الذين رووا الأحاديث وفق موازين محددة يُعرف بها الصادق والكاذب، فتؤخذ رواية الصادق، وترفض رواية غيره، ومن الآثار التي وردت وفق هذا العلم كتاب: «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» وهو من تأليف شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي المتوفى في سنة 748 هـ (1348م). يضاف إلى ذلك الكتب التي اختُصَّت بذكر الضعفاء الذين لا ينبغي النقل عنهم، ومنها:
- الضعفاء للبخاري.
- الضعفاء لابن حبان.
- الضعفاء الكبير للعقيلي وهو مخطوط.
وكل هذا يبين لنا أن الله سبحانه وتعالى وقد حفظ كتابه الكريم فإنه قد حفظ حدیث رسوله صلى الله عليه وسلم بأن قيّض له من يجمعه، ويدقق في أسماء رواته حتى لا يختلط بهم أحد من ذوي الأهواء، وبذلك وصلنا منه ما لا شك فيه. ولذا فإنه لا ينبغي تجاهل الحديث تحت أية حجة.
وفوق هذا، فإن علماء الحديث قد ألفوا كتبا تكشف زيف الأحاديث الموضوعة، وتبينها للناس، مع ذكر سبب عدم الأخذ بها، ولقد كان ما يُعد السبب الوحيد في الاستبعاد هو عدم الثقة في الرواة.
وتكفينا الإشارة إلى كتاب واحد من بين عدة كتب في هذا المجال وهو كتاب: «المصنوع في معرفة الموضوع» الخاص ببيان نوع الأحاديث التي أُطلق عليه اسم: موضوعات، لأنها من وضع أُناس لا دين لهم يردعهم. والكتاب من تأليف العلامة علي القاري الهروي، المتوفى في سنة 1044هـ.
وهذه نماذج مما وضعه الكاذبون على رسول الله:
1 - ما كل مرّة، تسلم الجرة.
2 - المرء بسعده، لا بأبيه وجده.
- المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء.
- من استُرضي فلم يرض فهو شيطان.
- من أحب كريمتيه فلا يكتبن بعد العصر. (أي عينيه)
- من أسمك فليتمر.
- من أكل مع مغفور له غُفر له.
- من جهل شيئا عاداه.
فكل هذه الأقوال يدعي قائلوها إنها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهم كاذبون في ذلك. فهي أقوال لا أصل لها من الحديث النبوي وليس فيها أدنى صفة من صفات ما تحدث به.
ومما يجب علينا ذكره هنا أنه قد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث صحيح هو الوحيد الذي نهى فيه عن كتابة حديثه، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدِّثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار». (يتبوأ: يسكن مسكنه منها).
ولكن الثابت بعد ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه بكتابة ما يسمعونه منه، ويبن أن ذلك قد حدث بعد أن استتب الأمر للإسلام في المدينة، وصار المسلمون على دراية بكتاب الله، وبحديث رسوله، وأمكنهم ذلك أن يميزوا بينهما، فزال ما كان النبي يخشاه على أمته من الخلط بين القرآن الكريم وحديثه إليهم.
ونرى في مسألة الإذن في كتابة الحديث ما قاله عبدالله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، وقد وردنا حديثه هذا عن طريق رواة ثقاة، ونصه «كنت أكتب كل شيء اسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه (فمه) فقال: «أكتب، فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق».
ونرى - أيضا - في الصحيحين أن رجلا يدعى أبو شاه اليمني التمس من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له شيئا سمعه من خطبته عام الفتح، فقال: «اكتبوا لأبي شاه».
وجاءنا في هذا المجال - أيضا - ما يقرأه القارئ في كتاب «سنن الترمذي» والترمذي هو: محمد بن عيسى المتوفى سنة 279هـ، وكان عالما بالحديث موثوقا به. والنص الذي نعنيه هو: «أن رجلا من الأنصار كان يجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسمع منه الحديث، فيعجبه ولا يحفظه، فشكا إلى رسول الله حاله، فقال له الرسول: «استعن بيمينك»، وأومأ له بيده الكريمة إلى الخط.
ولقد ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم صاروا يكتبون الأحاديث بعد الإذن بذلك وهذا يكون بأيديهم أو بأيدي أبنائهم أو من يتطوع لهم بالكتابة، وقد أحصى عدد الذين كتبوا الأحاديث من الصحابة فكان عددهم اثنين وخمسين صحابيا.
ومن الجدير بنا ذكره أن الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز (تولى الخلافة منذ سنة 717م حتى سنة 720م) الذي كان يطلق عليه لقب: خامس الخلفاء الراشدين لما اتصف به من دراية وعلم ومخافة الله سبحانه في كل ما اتخذه من قرارات، أرسل إلى ولاته في كافة الأمصار، وإلى كبار العلماء بها، يطلب منهم جمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم شاع بعد ذلك تدوين الحديث الشريف. وكان الذين تولوا مسألة التدوين في البداية من العلماء الثقاة، يكفي أن نذكر منهم: عبدالله بن المبارك المتوفى في سنة 181 هـ.
- محمد بن اسحق المتوفى سنة 151 هـ.
- مالك بن أنس المتوفى في سنة 179 هـ.
- سفيان الثوري المتوفى في سنة 161 هـ.
- الليث بن سعد المتوفى في سنة 175 هـ.
وغيرهم...
وقد وصل إلينا من مؤلفات هؤلاء كتاب الموطأ لمالك بن أنس، وقد طُبع مرارا، وطبعت منه صورة لمخطوطة له كتب في الكويت سنة 1682م، قام مركز البحوث والدراسات الكويتية بنشرها:
ثم جاء العصر الذهبي لتدوين الحديث، وهو عصر امتد منذ سنة 200هـ إلى سنة 300هـ. ودون أن ندخل في التفصيل فإن الإمام البخاري المتوفى في سنة 256هـ كان أول من اتجه في جمع الأحاديث النبوية نحو اتجاه جديد. وذلك بأن اقتصر على ذكر الحديث الصحيح فقط، وكان جامعو الأحاديث قبله يذكرون الأحاديث بإسنادها إلى الذين يتناقلونها عنهم، دون تمييز بينهم اعتمادا على أن المستمع يستطيع أن يميز الراوي الصادق عن غيره بمجرد سماع الأسماء التي يُسنِد إليها أي حديث. ولأن الوقت قد تأخر، ولم يعد في استطاعة الناس التمييز بين الرواة فقد هدى الله الإمام البخاري إلى عمل جليل حين اقتصر في إيراد الأحاديث على الصحيح منها الواثق من رواته.
>>
ونعود هنا إلى الحديث عن الإمام البخاري. وكنا - في البداية - قد تحدثنا عنه حديثا مجملا. ولكنه يستحق منا مزيدا من ذكر ما يتعلق به جزاء ما قام به من خدمة الحديث الشريف.
كان الإمام الجليل محمد بن اسحق بن خزيمة صاحب اشتغال بالحديث وكان ثقة عظيم القدر بين العلماء، وله كتاب الصحيح من الحديث، ولكنه لم يبق منه إلا ما طبع تحت عنوان «التوحيد».
وقد ذكره الذهبي في كتابه: سير أعلام النبلاء فقال: «لابن خزيمة عظمة في النفوس، وجلالة في القلوب، لعلمه ودينه، واتباعه السُّنّة». وهذا الذي ذكره الذهبي يدل على قيمة ابن خزيمة العالية بين علماء عصره. وبالتالي فإن الشهادة التي يدلي بها ذات مقام كبير. فقد شهد ابن خزيمة للبخاري فقال: «ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل»، وللتفصيل عنه: فإنه أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري المولود في اليوم الثالث عشر من شهر شوال لسنة 1914هـ، والمتوفى في غرة شهر شوال لسنة و256هـ. وكان من أهم رجال الحديث، وله دراية تامة بعلوم الرجال والجرح والتعديل والعلل، وله مؤلفات تزيد على أربعة وعشرين مؤلفا أهمها: صحيح البخاري المشهور.
وكان ممن عرف بالورع، والصدق وسماحة النفس والتواضع وحسن العبادة. كان حريصا على طلب العلم وبخاصة الحديث الشريف، وكان حريصا على عدم الإساءة إلى أحد من الناس، حتى وهو يرى من لا يستحق أن يأخذ قوله، فهو لا يقول عنه إلا: اتركوه، أنكره الناس، وإذا وجد من بالغ في الكذب قال عنه: فيه نظر. ولا ينطق بلفظ كذاب عن هذا الذي جاء بقول منكر.
وإذا نظرنا إلى كتابه «صحيح البخاري» أو «الجامع الصحيح» كما سماه، وجدناه يضم 7275 حديثا، اختارها من بين عدد كبير من الأحاديث التي جمعها خلال سني حياته، ورحلاته في طلب ذلك.
وقد عرض كتابه هذا على عدد من كبار علماء عصره منهم الإمام أحمد بن حنبل والإمام يحيى بن معين وغيرهما فما منهم إلا من أشاد بما صنع، وشكر له هذا العمل الموثوق به.
ولكن مما يؤسف له أن هذا العالم الذي شهد له كل من جلس إليه واستمع إلى علمه، أو قرأ عليه شيئا مما كتب، لا ينال عند بعض الناس ما يستحقه من تبجيل واهتمام، بل إنهم ليشككون في صحيحه، وذلك لكي يصلوا إلى التشكيك في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كله، وهذا هو الضلال المبين.
وتعليقا على ذلك فإن من المهم أن نذكر النقاط التالية:
أولا: يشكك البعض في الأحاديث التي وردت في الجامع الصحيح للبخاري بدعوى أنها كثيرة، وأن سنوات عمر جامعها لا تكفي لجمعها، وهذا يرد عليه رجال عصره من علماء وطلاب علم، فكلهم يشهد على قدرة ذاكرته.
وعلى دأبه خلال حياته في جمع الحديث النبوي الشريف مع التأكد من صحة نقله من مصدره، وإذا كنا قد ذكرنا عدد ما ورد في كتابه من الأحاديث فإنه من المهم أن نذكر هنا أن جملة الأحاديث التي كانت بين يديه ولم يقم بتضمينها الكتاب رغبة منه في الاحتياط كانت ستمائة ألف حديث.
ولا شك في أن المشككين يقصدون بما ذكروه أحد أمرين هما:
- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل كل ما ورد في كتاب البخاري لأنه كثير في هذا الكتاب، وكأنهم يستكثرون على رسول الله أنه قال كل ذلك، وهذا تعليل سقيم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صاحب دعوة كُلِّف بتبليغها إلى الناس كافة، منذ أن أُبلغ بالوحي، وأمره الله سبحانه وتعالى بأن ينذر عشيرته الأقربين إلى أن قال له بعد ذلك: فاصدع بما تؤمر فعمَّ بدعوته الناس كلهم.
لقد كان مرشدا وهاديا للناس جميعا، استمر على ذلك منذ كان عمره أربعين سنة إلى أن توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، وهو يجالس الناس، ويتحدث إلى المسلمين جميعا، ويجيب عن أسئلتهم، ويبدأهم بالتوجيه والنصح فينقلون عنه كل ذلك ويحفظونه ويتبادلونه بينهم، ولم تكن كل الأحاديث طويلة بل إن أكثرها من القصار، ولكنها كانت كافية لمن يريد أن يعلم أمور دينه، وبخاصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: «أوتيت جوامع الكلم». وهذا من الأدلة على أن ما جاء من الأحاديث - وإن كان كثيرا - فهو دون شك - مما تحدث به رسول الله وأنه بما تناوله من موضوعات يؤكد ذلك.
وإذا أردنا أن نقدم شيئا مما يشير إلى ذلك فإننا نلتفت قليلا إلى كتاب جوامع السيرة لابن حزم، فنراه يقدم بيانا بأسماء الصحابة الذين رووا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيذكر منهم من حفظ الألوف ويتدرج حتى يذكر من حفظ حديثا واحدا لم يزد عليه. وهذا لأن وجود الأوائل في صورة دائمة بالقرب من مجالس النبي يكفي لسماع كثير مما يقول وأن وجود الآخرين في تلك المجالس الشريفة كان في فترات متقطعة لم تمكنهم من الحفظ. ونحن لا نشك في أن أولئك الرجال (المكثرون منهم والمقلون) كانوا أمناء على الحديث الذي سمعوه من الرسول الكريم، وكانوا يخشون الله عز وجل فلا يُحملون أنفسهم وزر إضافة شيء من عند أنفسهم. ثانيا: لم يكن الإمام البخاري جالسا في بيته يكتب الحديث مما يأتي إليه من الناس بل كان كثير الترحال في سبيل عمله هذا، وإذا عرفنا عدد الرجال الذين لقيهم من حملة الحديث ومن العلماء إضافة إلى كثرة رحلاته في سبيل ذلك لعرفنا أن العدد الذي رصده من الأحاديث في كتابه الجامع الصحيح عدد لا غرابة فيه.
ولقد قال عن رحلاته: «دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أُحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين».
وفي فترة من فترات حياته رأى أن من الخير له أن يعود إلى مسقط رأسه بخارى. وقيل في ذلك:
«فخرج من نيسابور عائدا إلى بخارى واحتفل الناس بمقدمه، ونصبت له القباب على فرسخ من البلد (ثلاثة أميال)، واستقبله أهلها جميعا، ونثروا عليه الدراهم والدنانير كما جرت عادتهم».
وإذا كان البعض قد استغرب حجم إنجازه في كتابه هذا وفي مجمل مؤلفاته الأخرى، فإن هذا - أيضا - مما لا غرابة فيه، لأن علماء الأمة كانوا يعلمون مقدار المسؤولية المطروحة عليهم تجاه دينهم ولغتهم وتاريخهم، فكانوا يسهرون الليالي، ويمضون كل أوقاتهم في الدراسة والتدريس وفي الكتابة التي أتتنا بسببها هذه الكنوز التي تزخر بها (مخطوطة) مكتبات العالم.
ونحن حينما نريد الاستدلال على جهودهم العظيمة هذه، فإن من المهم أن نذكر عالما موسوعيا ذائع الصيت هو جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور المتوفى في شهر شعبان لسنة 711هـ. فقد ألَّف كتابا غاية في الأهمية أطلق عليه عنوان: «لسان العرب» وقد طبع في عدة طبعات فيما يزيد على خمسة عشر مجلدا من الحجم الكبير. وهو وإن كان قصده من تأليف هذا الكتاب هو أن يكون قاموسا لغويا، فقد تطرق فيه إلى أمور كثيرة تشمل علوم العربية وتفسير القرآن والحديث وفنون الأدب. ولم يشكك أحد فيما ورد في هذا الكتاب ولا في مؤلفه، لأن المشككين الذين ذكرناهم فيما سبق كان همهم هدم كل ما يتعلق بالحديث النبوي، لكي يصلوا بذلك إلى هدم الدین برمته.
وفي النهاية فإنني لا بد أن أعطي الحق في الثناء لرجل خدم الحديث الشريف خدمة علمية فائقة، ندر أن نجدها عند أحد في عصرنا الحاضر وهو الشيخ أحمد مختار رمزي الذي أصدر من تأليفه كتاب: «سِيَر أعلام المحدثين» الذي جاء متكاملا في بابه جزاه الله خيرا. وأتمنى على كل من يهمه هذا الموضوع أن يعود إلى هذا الكتاب الذي لا غنى عنه لمن يريد أن تطمئن نفسه عندما يطلع على الحقائق.