مفرح الشمري
بعد طول انتظار، عاد المعهد العالي للفنون المسرحية للمشاركة في مهرجان الكويت المسرحي بدورته الـ٢٢ وذلك من خلال عرض مواز خارج المسابقة الرسمية لأسباب خارجة عن إرادتهم بعد أن كان من المقرر مشاركته بعرض «لوكيميا» داخل المسابقة الرسمية.
مسرحية «الواشي» لطلبة المعهد العالي للفنون المسرحية تتغلب فيها صورة الديكتاتور المستبد على حياة العائلة والشعب، فتصبح الرابطة الوحيدة بين الناس هي تقاسم الخوف في عمل مختزل قصير.
قدم المخرج مصعب السالم إعدادا لنص مسرحية الواشي لبرتولد بريخت معتمدا على معالجة إخراجية أقرب إلى التجريد من الملحمية التي عرف بها المسرح البريختي، كاشفا عن عمليات الترهيب والتخويف الذاتي التي يمارسها الفرد على نفسه انعكاسا لما تمارسه عليه السلطة القاهرة.
وتدور أحداث المسرحية التي عرضت على خشبة مسرح الدسمة أمس الأول وشارك في بطولتها كل من أسرار الدوسري وأحمد الرشيدي، وهيا السعيد وحمد الكندري وحمود الصلال، حول عصر الديكتاتوريات والاستبداد والبطش والمعاناة الإنسانية وتقييد الحريات والترهيب والتخويف خاصة مع ظهور الوشاة الذين يتبرعون بالوشاية عن أي شخص.
بدأ المخرج مصعب السالم لعبته الإخراجية في «الواشي» بكسر الإيهام وإدخال الجمهور في اللعبة المسرحية من خلال شخصية الوصيفة التي ابتكرها المخرج لتخاطب الجمهور، وتذكره دوما بأننا في لعبة مسرحية ومشاهد تمثيلية، الجمهور لاعب أساسي فيها ولو بالتصفيق، فتطلب منهم أن يصفقوا لها كلما ظهرت على خشبة المسرح، فتارة تخاطب الجمهور وتارة تشارك في اللعبة المسرحية، وترصد أقوال الزوج ضد الديكتاتور، وعندما ينكر ذلك يلجأ المخرج إلى حيلة الفلاش باك؛ ليستعيد ما قاله الزوج لتثبت عليه التهمة، ومن خلال الحوار بين الزوج والزوجة والطفل يصر الزوج على موقفه السياسي ضد الديكتاتور واستبداده وبطشه، ولأنه يخشى التحدث خارج منزله أصبح يعبر عن آرائه أمام زوجته وابنه، وبسبب الضغط وحالة الكبت والقهر التي يعيشها ينعكس ذلك على علاقة الزوج بابنه، فكان لا يكف عن الصراخ عليه وتقييد حريته وضربه ثم التراجع أمام تهديد زوجته، ولأن الزوجة أو الأم تسعى إلى السيطرة على المنزل فكانت تهدئ الزوج وتصالح طفلها بالمال ليخرج يشتري ما يريده، وما إن يغادر الطفل المنزل حتى تتصاعد وتيرة الأحداث وتتكشف مخاوف الزوج من أن يستدرج رجال الأمن ابنه أو ربما يلعب ابنه دور الواشي ويخبرهم بالحوار الذي سمعه حول رأيه في الديكتاتور فتزداد المخاوف الذاتية التي تصل إلى حالة من الرعب والفوضى في المنزل، والخوف من الرد على الهاتف أو حتى فتح باب المنزل.
وبعد حالة الصراع النفسي والخوف من الواشين يبدأ الأب بتوسيع دائرة شكوكه ونقصان الثقة فيمن حوله ويتصور أن الديكتاتور يقوم بتعذيبه فعلا في مشهد فكاهي ساخر يثير الضحك وليس الشفقة.
الرؤية الإخراجية
قدمت مسرحية «الواشي» تناقضات الكوميديا والألم من خلال الدلالات البصرية التجريدية كحلول للمعاناة الإنسانية والتأمل، حيث تصبح المربعات الخشبية والنوافذ المعلقة والتي تملأ فضاء المسرح هي نوافذ للبوح ومحاولة للخروج من حالة القهر التي يفرضها الديكتاتور وسلطته، ويقدم لنا المخرج متعة جمالية بصرية في القدرة على تمثيل تجليات الإنسان وتحويلها إلى نسق مسرحي بهدف التغير للأفضل، فكما يقول بريخت «كل شيء ملك لمن يجعله أفضل» وكما جاء في بروشور المسرحية على لسان المخرج مصعب السالم الذي يحسب له قدرته على التعامل مع نص صعب أرهق مخرجين متمرسين وأبعدهم عن تناول نصوص بريخت لأنها تحتاج إلى القراءة المستفيضة مع الاشتغال على استيعاب الفكرة ومعالجتها برؤية مغايرة، وهذا ما نجح فيه مصعب.
السينوغرافيا والأداء التمثيلي
اعتمد المخرج على الإنارة معظم الوقت لكنه ثبت الإضاءة الحمراء على صورة الديكتاتور في دلالة على دمويته، وبالنسبة للأداء التمثيلي اجتهد الجميع وخصوصا الممثلة هيا السعيد التي أثبتت أنها تمتلك موهبة وقدرات فنية عالية تبشر بولادة فنانة ذات إيقاع مختلف.