سورة «ص» من السور المكية التي تؤكد التوحيد والرسالة والحساب في الآخرة، بدأت بالقسم بالقرآن الذي كذب به المشركون، ضرب الله عز وجل فيها امثلة بأنبياء عظام واجهوا الصبر، وتعلمنا السورة الإخلاص لله والصبر على ابتلائه وقضائه.
لما ذكر الله عز وجل هؤلاء العظام بين لنا حال السعداء في الجنة وما لهم من ثواب (إن هذا لرزقنا)، هذا عطاء لا نفاد له (وإن للطاغين لشر مآب)، اما المتجاوز الحد في الكفر والمعاصي فلهم شر مرجع ومصير، وهم في النار يعذبون فيها تغمرهم من جميع جوانبهم فبئس الفراش فراشهم، وهذا العذاب ماء شديد الحرارة وصديد سائل من اجساد اهل النار فليشربوه.
تخاصم أهل النار
ثم يخبرنا الله عز وجل عن حديث أهل الكفار بعضهم لبعض (هذا فوج مقتحم... الآية)، توارد الطاغين على النار يشتم بعضهم بعضا، ويقول بعضهم لبعض: هذه جماعة من اهل النار داخلة معكم فيجيبون: لا مرحبا بهم ولا اتسعت منازلهم في النار، يردّ المقتحمون الجدد بل انتم لا مرحبا بكم لأنكم قدمتم لنا سكنى النار لإضلالكم لنا في الدنيا فبئس دار الاستقرار جهنم.
(وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار)، قال الطاغون: ما بالنا لا نرى معنا في النار رجالا كنا نعدهم في الدنيا من الاشرار، السورة نزلت في قريش كانوا يعدون الصحابة بميزانهم في الدنيا أنهم هم الاشرار.
(أتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار)، هل تحقيرنا لهم واستهزاؤنا بهم خطأ أو انهم معنا في النار لكن لن تقع عليهم الأبصار؟ ان ذلك لحق تخاصم وجدال أهل النار فهم في تخاصم من العذاب النفسي بالاضافة الى العذاب الجسدي.
لا إله إلا الله
يقول الله عز وجل لنبيه: إنما أنا منذركم من عذاب الله أن يحل بكم بسبب كفركم به، ليس هناك إله مستحق للعبادة إلا الله وحده الواحد في خلقه القهار الذي قهر كل شيء وغلبه، حقيقة وظيفة الرسول انه نذير وبشير لا إله إلا الله وحده القاهر لكل شيء، هو الواحد الذي لا نظير له، وهو الذي يستحق ان يعبد وحده كما كان قاهرا وحده لا تتجه القلوب إلا إليه، وهذا محك تحقيق الاخلاص لله تعالى.
(رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار)، العزيز في انتقامه، الغفار لذنوب من تاب وأناب الى مرضاته، فالعزة فيها شدة ومقابل هذه العزة والقوة يخبرنا الله عز وجل انه غفار (صيغة مبالغة).
(قل هو نبأ عظيم)، قل يا محمد لقومك: ان هذا القرآن خبر عظيم النفع، به تحيا امور حياتهم وتستفيد به عقولهم، ثم يؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم بشريته (ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون)، ليس لي علم باختصام ملائكة السماء في شأن خلق آدم لولا ايحاء الله الي من علم بما لا علم لي به إلا لأني نذير لكم من عذابه مبين لكم شرعه.
(إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين)، فيخبر الله النبي صلى الله عليه وسلم عن الخبر الذي حصل حين قال ربك للملائكة: إني خالق بشرا من طين، والإخبار من الله حقيقة واقعة، (فإذا سويته)، سويت جسده وخلقه ونفخت فيه الروح فاسجدوا له سجود تحية واكرام لا سجود عبادة وتعظيم، فالعبادة لا تكون إلا لله وحده، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس لم يسجد تكبرا وكان من الكافرين (والكفر هو تغطية الشيء).
مناظرة فاشلة
قال الله لإبليس: ما الذي منعك من السجود لمن أكرمته فخلقته بيدي؟ أستكبرت على آدم أم كنت من المتكبرين على ربك؟ قال إبليس معارضا لربه: لم أسجد له لأنني أفضل منه، حيث خلقتني من نار وخلقته من طين، والنار خير من الطين، ومن قال ان النار خير من الطين، فلما سمع الله حجة إبليس قال له الله: فاخرج من الجنة فإنك مرجوم بالقول، ملعون وإن لك طردي ولعنتي الى يوم الدين.
(قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون)، يريد ان يمهله الله الى يوم البعث ولكن الله امهله الى وقت نفخة الصور، فالله يدرك لؤمه ومكره، فقال: إنك من المنظرين، أي من المؤخرين، الى يوم الوقت المعلوم، عندما تموت الخلائق.