- القلوب مُعلّقة بهما فلا تكاد تفارقهما إلا وقد هفت مرة أخرى للعودة إليهما
قال الله تعالى (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس). ولفضل بلاد الحرمين أقسم الله عز وجل بالبلد الحرام (لا أقسم بهذا البلد). وقال تعالى (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره).
وقال (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون). حول خصائص الحرمين وأهميتهما وما يجب على كل مسلم تجاهه، كان هذا الحوار مع الشيخ د.محمد ضاوي العصيمي:
لماذا خصص الحرمان بهذه المكانة والمنزلة؟
٭ تكمن اهمية الموضوع من خلال عدة امور: انه يبعث في نفس الانسان تعظيم هذا المكان حينما يقرأ ويسمع، ما جعله الله له من خصائص عديدة وصفات كثيرة، وكيف لا يعظم وقد اقسم الله به في كتابه كما في قوله تعالى (والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين ـ التين: 1 ـ 3)، وقال تعالى (لا أقسم بهذا البلد ـ البلد: 1)، فإذا كان الله يقسم به فلأنه عظيم عنده وله مكانة عظيمة وقدر عليٌّ رفيع، وطرح هذا الموضوع يعين على فهم وتدبر كلام الله تعالى من خلال ما جاء فيه من كثرة الآيات المبينة والدالة على تخصيص الحرمين بمزيد من القدر والمكانة، وان كثيرا من الناس اليوم قد يأتي مكة والمدينة معتمرا وزائرا وحاجا دون ان يعي ويتعلم كثيرا من المسائل المتعلقة بالحرمين، مما قد يوقعه الجهل بأحكام الحرمين في كثير من المخالفات والمحظورات والتي قد يترتب عليها فدية، ناهيك عن الإثم المترتب على فعلها.
ما معنى الحرم؟
٭ الحرم سمي حرما لأنه يحرم فيه ما كان حلالا للإنسان خارجه من تنفير الصيد وقطع شجره ونحو ذلك من محظورات الحرم، وقيل: سمي حرما لأن أهله كان يأمنون فيه من السبي والغارة والحروب والقتل، بينما كانت هذه المظاهر حول مكة وقريبا منها، قال تعالى (أولم نمكن لهم حرما آمنا ـ القصص: 57).
حدثنا عن كون القلوب دائما متعلقة بهذا المكان المبارك؟
٭ هذا صحيح، فالله جل وعلا قد فطر النفوس والقلوب على التعلق بهذا المكان، وهذا انما هو استجابة لدعاء خليل الله ابراهيم في قوله (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ـ إبراهيم: 37)، هذا هو الدعاء، ولهذا قال بعد ذلك (ربنا وتقبل دعاء)، فجاءت الاجابة من الله كما في قوله جل وعلا (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ـ البقرة: 125)، ومعنى مثابة: أي لا يملون منه ولا يقضون منه نهمتهم وحاجتهم، فالقلوب دائمة التعلق بهذا المكان، فلا تكاد تفارقه إلا وقد هفت مرة اخرى للرجوع والعودة إليه.
هل هذا الأمر في المدينة كذلك؟
٭ نعم، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كما جاء في قوله «إن الإيمان ليأرز الى المدينة كما تأرز الحية الى جحرها» (متفق عليه)، ومعنى يأرز أي يرجع، وأدل دليل ما يشعر به المرء من طمأنينة النفس، وسكون القلب، والانشراح الذي يجده بمجرد ما تطأ قدمه هذه البقعة.
ما فضل الصلاة في الحرمين؟
٭ بيّن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه، والصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة فيما سواه من المساجد» رواه احمد.
وهذا من فضل الله على الخلق، يقول أبو بكر النقاش في تفسيره: حسبت الصلاة بالمسجد الحرام فبلغت الصلاة الواحدة بالمسجد الحرام عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة.
قال بعض أهل العلم: هذا في صلاة المنفرد، أما لو صلاة جماعة فإنها تعدل سبعا وعشرين مرة مما ذكر.
هل الفضيلة في الصلاة عند الكعبة أم تشمل الحرم كله؟
٭ الراجح والعلم عند الله ان الفضيلة تشمل الحرم كله وان كانت عند البيت آكد، كما يفضل الصف الأول على الصفوف التي تليه.
ومما يدل على ذلك انضمام قوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة» رواه أحمد، فالفضيلة متعلقة بالصلاة في المسجد الحرام وهو اسم من اسماء الحرم، وليس البيت فقط كما قدمنا في قوله تعالى: (لتدخلن المسجد الحرام) أي: الحرم كله.
فائدة: التضعيف في الثواب هاهنا متعلق بالثواب لا في الإجزاء، بمعنى: لو كان على رجل عشر صلوات لم يصلها نسيانا أو جهلا، فلا يفهم أنه لو صلى صلاة واحدة في الحرم تكون مجزئة له ومسقطة للصلوات التي تركها.
هل تضاعف الحسنات والسيئات في الحرم؟
٭ أما مضاعفة السيئات، فلا شك أن السيئة في الحرم ليست كغيره، ومن هنا يتبين جهل بعض الناس من خلال الوقوع في المحرمات داخل الحرم، بل وحتى قريبا من البيت، شرفه الله، فلا يتورعون عن الغيبة والمعاكسات وشرب الدخان والاستهزاء بخلق الله والسب والشتم وايذاء المسلمين، وهذا ينافي تعظيم الحرم وتوقيره، ولأجل هذا الأمر كان السلف يهابون المقام في مكة ليس رغبة عنها، وإنما خوفهم وخشيتهم من ان يعصوا الله تعالى فيه، قال ابن عباس: «ما لي ولبلد تضاعف فيه السيئات»، والمضاعفة هنا ليست مضاعفة عدد وكم وإنما مضاعفة كيف وصفة، بمعنى أن السيئة بواحدة في العدد، لكن العقوبة المترتبة على المعصية في الحرم أعظم من غيره.
ما معنى قوله تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم)؟
٭ ذهب جماعة من أهل العلم الى أن من خصائص الحرم أن الله - عز وجل - يحاسب الإنسان على إرادة السوء في الحرم، فضلا عن العمل السيئ، كل ذلك تعظيما للحرم، ومعنى الالحاد هو الميل إلى الباطل، ولا يختص هذا بالكفر فقط وإنما يشمل المعصية والبدعة والشرك وغيره.
مهمة: إرادة الالحاد لا تختص بوجودها في الحرم، وإنما تشمل من أراد الالحاد في الحرم ولو كان في بلده، قال ابن مسعود: «لو أن رجلا همّ فيه بالحاد وهو بعدن أبين (موضع في اليمن) لأذاقه الله عذابا أليما».
والحسنات؟
٭ أيضا نص غير واحد من أهل العلم على أن الحسنات تضاعف زمانا ومكانا إذا كان فاضلين، كما في حديث «الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء» متفق عليه.
هل هناك خصائص أخرى للحرم؟
٭ نعم، هناك خصائص كثيرة أوصلها بعضهم الى قرابة مائة خصيصة، وما ذلك إلا لحرمة الحرم وتعظيمه وعلو قدره.
هل لكم أن تذكروا ولو على شكل نقاط مختصرة؟
٭ عدم جواز دخول الكافر الى حرم مكة؛ لقوله تعالى: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا - التوبة: 28)، وأن الدجال لا يدخلها ولا يدخل المدينة، وليس على أهل مكة هدي، وإن حجوا متمتعين وحرمة شد الرحال الا الى المساجد الثلاثة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الاقصى» متفق عليه.
وهذا نص صريح في عدم جواز السفر لأي مسجد على وجه الأرض على سبيل التعبد، ومن باب أولى القبور والاضرحة والمشاهد والمزارات، كل هذا حماية لجناب التوحيد وسد لكل باب مفض إلى الغلو والشرك، وكراهية نقل ترابه ويحرم إن قصد التبرك، ويجوز نقل ماء زمزم، والفرق بين المسألتين أن الماء يستخلف بخلاف التراب، وتغليظ الدية فيه كما قضى بذلك عمر، ولا يصح الذبح لمن كان عليه دم بمكة ان يذبح خارج حدود الحرم، وحرمة قطع شجره وحشيشه، والمراد به ما نبت بفعل الإنسان، أما ما نبت بفعل الله فيجوز قطعة وأخيرا أسأل الله ان يجعلنا ممن يعرف للحرمين قدرهما ومكانتهما، وأن يبعث في قلوبنا تعظيم حرمه، انه على كل شيء قدير.