بيروت - ناجي شربل وأحمد عز الدين
من بيروت الى نيويورك، توجه رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، سعيا الى حشد موقف دولي يدعم وقف الحرب الإسرائيلية الواسعة في لبنان، والتي تطول قسما كبيرا من «بلاد الأرز». وإن كان الجيش الإسرائيلي يحاول تظهير صورة ملاحقته لأفراد «حزب الله» وأجهزته العسكرية المختلفة، إلا ان الواقع على الأرض يشير الى التسبب بتدمير قرى وبلدات لبنانية عدة، والقضاء على مقومات الحياة في عدد آخر من القرى، بتعمد قصف ساحاتها التي يتجمع فيها الأهالي، الى استهداف دور عبادة وقطع الطرق، وتهجير الآلاف في مشهد دأبت إسرائيل على تنفيذه في لبنان في حروبها معه منذ العام 1948.
وإلى جانب الجهود التي يبذلها ميقاتي في نيويورك، قال رئيس المجلس النيابي نبيه بري: نقوم بمساع جدية مع أطراف دولية بينها واشنطن للجم التصعيد الإسرائيلي. وأكد أن الساعات المقبلة «ستكون حاسمة في نجاح المساعي أو فشلها للتوصل إلى حلول سياسية».
وفي هذا السياق نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين وأوروبيين قولهم إن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تعمل على مبادرة ديبلوماسية جديدة لوقف القتال في لبنان واستئناف مفاوضات غزة.
ونقل عن مصدر أميركي تأكيده أن واشنطن تعمل مع دول عدة على مقترح لحل ديبلوماسي بشأن شمال إسرائيل، وعرضت مبادرتها الجديدة على فرنسا وإسرائيل ولبنان ودول عربية أخرى.
وذكر المسؤول الإسرائيلي أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أعطى الضوء الأخضر لبحث المبادرة الأميركية الجديدة بشأن لبنان، التي تتيح التوصل إلى هدنة تحت شعار العودة الفورية للنازحين بالبلدين وبالتالي طي صفحة الإسناد.
ونقل مقربون عن الرئيس بري قوله «بعدم فصل الساحات والانطلاق من ترتيب وضع الحدود اللبنانية التي تم الاتفاق عليها من حيث المبدأ مع الموفد الاميركي اموس هوكشتاين، دون ان يتم فصل علني عن مسار الوضع في غزة».
وأضافت المصادر المقربة لـ«الأنباء» أن بري ترك التفاصيل النهائية ليتولاها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي اضطر للسفر بشكل مفاجئ وإلغاء جلسة مجلس الوزراء وبالتشاور الدائم والمباشر مع الرئيس بري.
وقال بري، بحسب المصادر، ان استمرار وتيرة المواجهات بالشكل الحالي لا يمكن ان يستمر على هذا المنوال دون انفجار كبير، ويضيف انه لولا وضع الإدارة الاميركية قبل الانتخابات لما أقدم نتنياهو على هذه الخطوة التصعيدية.
وفي الميدان، واصل «حزب الله» قصف المدن في شمال إسرائيل بمئات الصواريخ، من دون النزول عن معدل إطلاق تلك الصواريخ. بعد أن بلغت الغارات الجوية الإسرائيلية رقما قياسيا غير مسبوق في تاريخ الحروب منذ الحرب العالمية الثانية، بشن أكثر من 1100 غارة في اليوم الأول من الحرب الموسعة التي أطلقت عليها إسرائيل اسم «سهام الشمال»، وألقت طائراتها آلاف الأطنان من القنابل.
وطرأ تطور نوعي في مسار المواجهة، إذ أعلن الحزب لأول مرة عن استهداف تل أبيب بصاروخ باليستي من نوع «قادر 1» مستهدفا مقر قيادة الموساد في محيط تل ابيب، والذي قال انه المسؤول عن اغتيال القادة وعن تفجير أجهزة اللاسلكي. وفي أعقاب القصف على وسط إسرائيل، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إرجاء سفره إلى نيويورك.
وفي المقابل، طال القصف الإسرائيلي ساحل إقليم الخروب، باستهداف هنغار للسيارات عند الخط البحري لبلدة السعديات في اتجاه الجية، قرب مخفر الدرك. وتبين ان عملية اغتيال طالت القيادي في «الجهاد الاسلامي» بسام رومحي في السعديات.
وأغار الطيران الحربي الإسرائيلي لأول مرة على بلدة المعيصرة في كسروان الفتوح والفاصلة عن الضفة الثانية الجنوبية لقضاء جبيل. وهي بلدة شيعية وفيها مؤسسات تربوية واجتماعية بينها مدرسة الليسيه الفرنسية اللبنانية الكبرى ومركز تأهيل للمرضى وعلاج المسنين. وقد تبين أن المستهدف في غارة المعيصرة هو محمد عمرو مسؤول جبل لبنان والشمال في حزب الله، وهو من البلدة.
حكايات كثيرة عن ناس اضطروا الى ترك منازلهم، والتشرد في أصقاع وطنهم، كل وفق ظروفه المادية. فالميسور أمن مكانا لعائلته، والمتوسط الحال سعى الى الظفر بمأوى خاص، فيما انتظر القسم الأكبر توفير الأجهزة الحكومية والمنظمات الإنسانية مراكز إيواء، في بلد يعاني ضائقتين مالية واقتصادية غير مسبوقتين منذ أواخر 2019.
ولا بد هنا من الإشارة الى إصرار أهالي قرى وبلدات حدودية عدة على عدم المغادرة مثل القليعة ومرجعيون وبرج الملوك ورميش ودبل وعين إبل.. هؤلاء الأهالي يدركون ان المغادرة تعني فقدان الهوية والأرض، لذا اختاروا البقاء، وإن كانوا من غير المحاربين الذين ينتمون الى «حزب الله» وحركة «أمل» وفصائل أخرى فلسطينية ولبنانية.
في أي حال، بدا التماسك اللبناني في مواجهة إسرائيل، وإن كان الكثير من أبناء الوطن يختلفون حول سلاح «حزب الله»، لكنهم ينتصرون للوطن ويرفضون استباحته من قبل الجيش الإسرائيلي وغيره.
وتحدث مصدر مطلع لـ «الأنباء» عن اتصالات نشطة «تجري في أروقة الأمم المتحدة بالتعاون مع وزراء الخارجية العرب وفرنسا التي دعت مجلس الأمن الى عقد اجتماع طارئ لمناقشة ما يجري على الساحة اللبنانية.
وذكر مصدر مطلع «ان اتصالات تجري على نار هادئة بهدف انضاج تسوية توقف الحرب وتمنع توسعها في المنطقة».
وتحدث مصدر لبناني رسمي كبير لـ «الأنباء» عن «أوراق قوة لبنانية في المواجهة المفتوحة، وسقوط منطق لطالما نادى به البعض وهو: قوة لبنان في ضعفه».
وتابع المصدر الرسمي: «تتفوق إسرائيل في سلاح الجو، لكنها عاجزة عن التعامل مع الترسانة الصاروخية لحزب الله، وعشرات آلاف المقاتلين المتحصنين في الأنفاق والوديان. واعتبر المصدر ان الحزب رفع جهوزية مقاتليه الى الدرجة القصوى، وهو يستخدم تباعا اسلحته النوعية من صواريخ ذكية بعيدة المدى ومسيرات وغيرها».
وخلص المصدر الى القول: «لن يخسر لبنان الحرب، ولن تربح إسرائيل. اما النتيجة النهائية لجهة تأمين المخارج، فتحددها الوساطات الدولية، الا انها ستأخذ وقتا على حساب سقوط ضحايا أبرياء والمزيد من التدمير».
وعلى الصعيد السياسي الداخلي، وتحديدا في الملف الرئاسي، بدا لافتا ان تحرك الموفد الفرنسي جان إيف لودريان لم يكن في دائرة الاهتمام، في ظل الهجمة الإسرائيلية غير المسبوقة على لبنان.
من جهة أخرى ووسط تزايد النقمة على غياب الدولة في مساعدة النازحين الذين واجهوا معاناة مريرة على الطرق، وتقطع السبل بالكثير من العائلات، برر وزير الداخلية والبلديات بسام مولوي الاتهامات الموجهة اليه بالتقصير، بالقول ان خطة الطوارئ الحكومية لا علاقة لها بحركة النازحين على الطرقات.
فيما أشار وزير البيئة ناصر ياسين الى فتح 252 مدرسة لاستقبال 27 ألف نازح، في وقت تحدثت مصادر رسمية ان عدد النازحين من الجنوب تجاوز نصف مليون شخص، مع استمرار النداءات من عائلات عن ضياع بعض أفرادها طالبة المساعدة للعثور عليهم. كما وجهت جمعيات دعوات للتبرع بتأمين فرش لنازحين لا يزالون في العراء بدون مأوى، وكذلك تأمين المواد الغذائية الضرورية لهم.