[email protected]
مرّ عام على «طوفان الأقصى»، تلك اللحظة الفاصلة في التاريخ الفلسطيني الحديث التي شهدت تصعيدا عسكريا عنيفا من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في القدس وغزة والضفة الغربية، هذه الأحداث جاءت كنتيجة مباشرة للتوترات المستمرة حول المسجد الأقصى، وانتهت بتكثيف القصف والتدمير بشكل لم يشهده القطاع منذ سنوات. عام مضى، لكن آثاره الإنسانية الكارثية ما زالت ترخي بظلالها على حياة الفلسطينيين، فيما يقف العالم متفرجا أو يقدم مساعدات خجولة لا ترقى لحجم المعاناة.
ما عاناه الفلسطينيون خلال هذا العام تجاوز الحصار والقصف ليصل إلى أبسط الحقوق الإنسانية. فقد تسببت الهجمات الإسرائيلية في قتل وجرح الآلاف من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، ودمرت البنية التحتية بشكل شبه كامل، بما في ذلك المنازل والمدارس والمستشفيات. هذه المأساة لم تكن مجرد أرقام وإحصائيات، بل كانت حياة أشخاص تحولوا بين ليلة وضحاها إلى لاجئين داخل أرضهم، بلا مأوى ولا أمل.
وعلى صعيد التعليم، تسببت الغارات في تعطيل العملية التعليمية في غزة، إذ تم تدمير عدد من المدارس، وتحولت بعضها إلى ملاجئ للنازحين، ومع القيود المشددة التي يفرضها الاحتلال على الحركة والبضائع، بات من الصعب على الطلبة والمعلمين استئناف حياتهم التعليمية بشكل طبيعي. وهذا الوضع سيعمق أزمة جيل كامل بات محروما من حقه في التعليم، ما يزيد من معاناته الاجتماعية والنفسية.
كذلك تعرض القطاع الصحي في غزة لضغوط هائلة، مع استهداف المستشفيات والمراكز الصحية، ونقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية بسبب الحصار المستمر. الأطباء والممرضون يعملون في ظروف قاسية، محاولين تقديم الرعاية الصحية الأساسية في ظل شح الموارد. أما المرضى، خاصة المصابين بأمراض مزمنة أو المحتاجين لعمليات جراحية عاجلة، فواجهوا صعوبة في الحصول على العلاج المناسب، ما أدى إلى تفاقم أزماتهم الصحية.
أما الدمار الذي خلفته الغارات في غزة فأدى إلى تدمير آلاف المنازل، ما ترك عشرات الآلاف من العائلات بلا مأوى. هذا الوضع أدى إلى موجة جديدة من النزوح الداخلي، حيث اضطر العديد من العائلات إلى العيش في مدارس مؤقتة أو حتى في العراء. المنظمات الإنسانية تحاول تقديم المساعدة، لكن الحصار والإغلاق المتكرر للمعابر يجعل من الصعب توصيل المساعدات اللازمة إلى السكان، إضافة إلى أزمة السكن التي تعد واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحا، حيث يعيش العديد من النازحين في ظروف غير صحية وخطيرة، مع عدم وجود أفق لإعادة بناء منازلهم في المستقبل القريب.
وعلى مدار العام الماضي، وقف العالم إلى حد كبير عاجزا أو غير مبال بالكارثة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون، رغم الإدانات المتكررة من بعض الدول والمؤسسات الدولية، إلا أن الفعل الحقيقي على الأرض كان ضعيفا وغير كاف، فقد تم تقديم بعض المساعدات الإنسانية، لكنها لم تكن كافية لتلبية الاحتياجات الهائلة.
وتقع المسؤولية على عاتق المجتمع الدولي الذي يجب عليه التحرك بشكل أكثر فعالية لوقف الجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. فيجب على الدول الكبرى، وخاصة تلك التي تتمتع بنفوذ سياسي وعسكري، أن تمارس ضغوطا حقيقية على إسرائيل لإنهاء سياسات القمع والعدوان، كما يجب على الأمم المتحدة والهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان أن تتحرك بشكل أكثر قوة للتحقيق في الانتهاكات المتكررة للقانون الدولي الإنساني، وضمان محاسبة مرتكبي الجرائم.
ومع استمرار الوضع المأساوي في فلسطين، يجب على المجتمع الدولي اتخاذ خطوات عملية لرفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني، فيجب أولا إنهاء الحصار المفروض على غزة فورا، والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية والمواد الضرورية لإعادة البناء، ثانيا ينبغي وضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان، خاصة في القدس، وضمان حرية العبادة في المسجد الأقصى، كما يجب على المجتمع الدولي الضغط من أجل استئناف عملية سلام حقيقية تؤدي إلى حل الدولتين وفقا لقرارات الشرعية الدولية.
وبالتأكيد أن على الدول التي تدعي دعم حقوق الإنسان إدراك أن الصمت أو الاكتفاء بالإدانات الرمزية لا يكفي، ويجب أن تكون هناك إرادة سياسية دولية لوقف النزاع وحماية حقوق الشعب الفلسطيني. هذا يتطلب دعما ديبلوماسيا واقتصاديا مستمرا للفلسطينيين، وضغوطا قوية على الاحتلال الإسرائيلي للتوقف عن انتهاكاته.
ختاما: مر عام على «طوفان الأقصى»، ولا تزال المأساة مستمرة، والفلسطينيون يعانون كل يوم من تداعيات العدوان الإسرائيلي على جميع جوانب حياتهم.
وأمام هذا الواقع القاسي، نقول إنه لا يمكن للعالم أن يستمر في الصمت، ويجب أن يتجاوز التضامن مع الشعب الفلسطيني والبيانات الجوفاء إلى خطوات ملموسة تضع حدا لهذه الكارثة الإنسانية، فالصمت أمام معاناة شعب بأكمله ليس خيارا أخلاقيا، بل هو مشاركة ضمنية في الظلم.