يعد فيلم «Strange Darling» محاولة ثانية للمخرج والكاتب جي تي مولنر، إذ يعتمد على نهج سينمائي غير تقليدي في سرد القصة، ليعرض آخر جرائم قاتل متسلسل مزعوم في ريف ولاية أوريغون، على غرار الأسلوب المستخدم في فيلم «Fargo» للأخوين كوين.
يبدأ الفيلم بالفصل الثالث، ما يضع المشاهد في قلب الأحداث دون أي تمهيد، ويتكون السرد من ستة فصول، لكنه يختار أن يبدأ من منتصف القصة، ثم يعود إلى تكملة التفاصيل وينتهي بالفصل السادس.
عند ترتيب الفصول بشكل زمني، يظهر الفيلم كقصة تقليدية تتناول ديناميكيات القوة في علاقة رومانسية، وجريمة قتل وتصرفات مجنونة، ويبدو أن مولنر تأثر بأسلوب كوينتن تارانتينو، فاستخدم حوارات طويلة وبنية سردية مشابهة لفيلم «Pulp Fiction»، ليخلق حالة من الغموض حول تفاعل الشخصيتين الرئيسيتين، السيدة (ويلا فيتزجيرالد) والشيطان (كايل غالنر)، وهنا نلاحظ أن الأسماء المستخدمة تبدو مضللة عن قصد، حيث يسعى المخرج إلى قلب توقعات المشاهدين المعتادة من هذا النوع من الأفلام، وعلى الرغم من أن الأسلوب يبدو مصطنعا بعض الشيء، إلا أنه ينجح في جذب الانتباه خلال ثلثي الفيلم، لكن بعد كشف الغموض يفقد العمل جزءا كبيرا من طاقته، وينحدر نحو نهاية غير مرضية.
أبرز ما في «Strange Darling» هو التفاعل المطول بين «السيدة» و«الشيطان»، حيث يخوضان في حوارات متبادلة تجمع بين الغزل والمواجهات الكلامية، رغم أن النهاية المتوقعة هي الوصول إلى علاقة حب، غير أن «السيدة» لديها شروط معينة يجب تحققها قبل أن تخطو تلك الخطوة، و«الشيطان» يبدو مستعدا للالتزام بها، لكن بالطبع عند عرض هذه المقاطع يكون المشاهد قد أدرك بالفعل أن الأمور لن تسير على ما يرام، بعد أن نشاهد في البداية مطاردة بالسيارة توضح سبب تسمية «الشيطان» بهذا الاسم.
العنصر الآخر البارز في الفيلم هو الشخصيتان الثانويتان، «جينيفيف» و«فريدريك»، اللتان يجسدهما باربرا هيرشي وإد بيغلي جونيور، حيث يقدمان أداء متقنا في دور شخصيات «الهيبيز» الناجين من الحياة العصرية، وخاصة في مشهد تحضير «فريدريك» لوجبة الإفطار، والذي يضفي عمقا إنسانيا رائعا، يضيف هذا الثنائي طابعا خاصا للفيلم لدرجة تجعل المشاهد يتمنى لو كان التركيز عليهما أكثر.
وكما يحدث مع العديد من الأفلام المليئة بالتقلبات، يقع «Strange Darling» في فخ النهاية التي لا ترتقي كما ذكرنا سابقا لمستوى التشويق، فعندما يتوقف الفيلم عن كونه لعبة القط والفأر بين الشخصيتين الرئيسيتين ويتحول إلى شيء أكثر نمطية، يبدأ في فقدان جذب المشاهد، خصوصا في اللقطة الطويلة في نهايته التي تأتي من دون انقطاع بهدف زيادة شعور المشاهد بعدم الراحة، حيث تبدو زائدة عن الحاجة ولا تضيف الكثير.
يفاخر الفيلم بكونه مصورا بشريط 35 ملم، لكن هذا التفصيل ربما لا يهم الكثيرين، والمساهمة الأبرز من وراء الكاميرا تأتي من الممثل جيوفاني ريبيسي، في أول تجربة له في مجال التصوير السينمائي، ورغم أن عمله كان جيدا، إلا أنه لم يكن استثنائيا، وهو أمر يمكن تفهمه بالنظر إلى التركيز الكبير على بنية السرد في الفيلم. يترك «Strange Darling» انطباعا بأنه تجربة سينمائية تعتمد على أسلوب السرد أكثر من القصة نفسها، مع تراجع الحماس في الجزء الأخير منه، لكن يمكن القول إن الفيلم مجرد رحلة غير تقليدية بين الجنون والجريمة.