بيروت – جويل رياشي
«لا مقومات حياة في اليوم التالي لنهاية الحرب (...) وكأن الإسرائيلي يقول لنا: هون مش لازم تعيشوا». عبارتان اختصر بهما رئيس جمعية «بيت الطلبة الاجتماعي» الاستاذ في المدرسة الإنجيلية علي شكر واقع اليوميات لمن شاء البقاء في مدينة النبطية، وهم قلة، يتوزعون بين المستشفى الحكومي ومستشفى النجدة الشعبية، يقدمون الخدمات ويؤمنون الإسعافات.
خبر شكر ظروفا مماثلة في حروب 1993 و1996 و2006. وقال لـ«الأنباء»: «هذه الحرب مختلفة، وتتعدى أهدافها الضربات العسكرية لتطول الديموغرافيا الخاصة بشريحة معينة (...) وسيتفاجأ الناس في مدينة النبطية في اليوم التالي للحرب، بانعدام مقومات الحياة. كل شيء تهدم من سوق تجاري ومحال ومصالح وغيرها من شبكات كهرباء ومياه. وحدها الطرق الرئيسية لم تتقطع كما في 2006. ونواظب على الانتقال إلى صيدا يوميا أو يوما بعد آخر وفق حركات طائرات الاستطلاع (أمكن سماع أصواتها أثناء المكالمة الهاتفية). ولدينا فريق عمل في صيدا يؤمن المؤن، ولكن لا نستطيع جلب الكثير، اذ لا مكان هنا للتخزين بسبب انعدام الأمكنة».
وتابع: «نعتمد على المبادرات الفردية، ونتعاون مع مركز المحافظة الذي انتقل من المدينة إلى صيدا».
وتحدث عن فريق عمل الجمعية على الأرض في المدينة، قائلا: «عددنا ثمانية، وأصيب المسعف عباس فهد، وكان الناجي الوحيد من الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مبنى بلدية النبطية، وهو يتعافى الآن في مستشفى الدكتور لبيب أبو ظهر في صيدا».
وكرر شكر القول: «دمار غير مسبوق. وعلى سبيل المثال، تم التحذير من قبل المتحدث العسكري الاسرائيلي أفيخاي أدرعي باستهداف ستة أماكن (ليلة الأربعاء الماضي)، ووقت القصف أضيفت اليها أربعة أماكن، الأمر الذي يحصل باستمرار».
وذكر ان عدد الموجودين في المدينة لا يتعدى الـ 400 شخص، «في حين انعدمت مقومات الحياة بالكامل في القرى والبلدات التي تصل إلى الحدود، عدا تلك التي سعت جهات دولية (الڤاتيكان) إلى تحييدها لتثبيت بقاء أهلها وعدم التسبب بنزوحهم».
وقال: «حجم الدمار هائل، ومن الصعب الوصول إلى الأحياء الداخلية لتلك القرى، بعد استهدافها في شكل ممنهج وغير عشوائي بغية تقويض أشكال الحياة فيها. تم تدمير المنازل والمحال التجارية والطرق الفرعية، وتحولت غالبية القرى إلى ركام».
للجمعية ثلاث سيارات، واحدة تستخدم للإسعاف ونقل المصابين، والثانية لتأمين الإغاثة من مواد غذائية وطبية، والثالثة للاحتياط. وتناول انعدام الحركة في المدينة ليلا، «وانتظار ساعات الصباح لتفقد الأماكن حيث يوجد من بقي هنا».
وختم: «ومع ذلك تبقى صورة النبطية التي نعرفها عالقة في الأذهان، وتتخطى حجم الدمار الذي أصابها وحاول محو معالمها. سيعود الأهالي، لكن الأمر يحتاج وقتا.
يعرف عن النبطانيين (الاسم الذي يطلق على أهالي النبطية) تعلقهم بمدينهم، وكثيرون قرروا البقاء فيها، لكنهم اضطروا إلى المغادرة تباعا، ومنهم من ذهب إلى حالات في ساحل جبيل مثل وسيم بدر الدين الذي لم يغادر النبطية في أحلك الظروف وأشدها. لكنه غادر هذه المرة لإصرار عائلته على البقاء معه، وهو يمضي وقته في سوق جبيل القديم مع الكثير من الأصدقاء ورفاق الدرب من أبناء النبطية. وقال لـ«الأنباء»: سأعود في اليوم التالي لنهاية الحرب. سأعود أيا تكن الأمور على الأرض. أرى النبطية ولا أهتم بالدمار.