عبدالحميد الخطيب
تدور أحداث مسلسل «ثلاثين حلقة» في فلك صناعة الفن وما وراء كواليسها، والصراع بين المبادئ الشخصية والمصالح التجارية في تلك الصناعة.
ويستعرض العمل عددا من القضايا الإنسانية التي تتعلق بعلاقات المنتجين والكتاب والمخرجين والممثلين، ونجح العمل في معالجة هذا الموضوع من زاوية مختلفة وبرؤية جديدة بعيدا عن التقليدية.
يناقش نص المسلسل العديد من القضايا في الوسط الفني، مثل صراعات الفن الهادف وغير الهادف، الدخلاء على المجال، مشاكل ترتيب الأسماء بـ«التتر»، تأثير «السوشيال ميديا» في حياة النجوم، التنازلات التي قد يقدمها بعض الممثلين من أجل المال، الخلافات بسبب تأجيل دفع الاجور، اشتراطات القنوات على المنتجين لشراء اعمالهم وفرض اسماء معينة عليهم، المهرجانات الفنية وجدواها، منح الألقاب للفنانين والغيرة بينهم، الصحافة ودورها في هذا الوسط، وذلك من خلال قصة عبدالجبار (سعد الفرج)، المنتج الذي لا يحمل أي شهادات دراسية، لكنه يمتلك حنكة تجارية تجعله يسعى وراء الربح المادي على حساب المبادئ الفنية.
يعمل «عبدالجبار» على إنتاج مسلسل درامي مكون من ثلاثين حلقة لتقديمه في شهر رمضان، ويعاونه حميد (خالد أمين)، مدير الإنتاج ذو الخبرة الطويلة في المجال الذي يتمتع بنفوذ كبير داخل فريق العمل، حيث يؤثر بشكل مباشر على اختيار الممثلين وتوجيه العمل، وهو يمثل نموذجا للشخصية التي تعرف كيف تتعامل مع تعقيدات الصناعة، لكنه أيضا يجد نفسه في صراع بين الولاء لـ«عبدالجبار» ورغبته في الارتباط بابنته غيدا (أميرة محمد) وبين الانتقام من «عبدالجبار» وابنه موفق (رمضان خسروه) بسبب معاملتهما السيئة له.
ونتعرف على نغم (أحلام حسن)، الفنانة التي تعد نموذجا للنجومية التي لا يهمها الا مصلحتها، وتسعى وراء الشهرة والمال دون الاكتراث بالقيمة الفنية للأعمال التي تقدمها، وفي سبيل ذلك تحارب كل من يقف في طريقها، وعلى جانب آخر تعاني من مشاكل عائلية تحاول حلها.
في المقابل، نجد صلاح (عبدالرحمن العقل)، صوت الضمير داخل العمل والذي يرفض أي مغريات مادية للتنازل عن مبادئه، حيث يسعى دائما لتقديم فن هادف يحمل رسالة، لكنه يواجه تحديات كبيرة في وسط المصلحة هي اللغة السائدة فيه، لنذهب بعد ذلك إلى طلال (حسن إبراهيم)، وهو مخرج يرفض الفن المبتذل ويسعى لتقديم أعمال ذات قيمة فنية عالية، ويحاول الحفاظ على رؤيته الفنية في مواجهة الضغوط التجارية، وتأخذنا الأحداث إلى غايب (جاسم النبهان)، الصحافي الفني الذي يعمل كمعاون لـ«عبدالجبار» في الترويج لأعماله و«تلميع» صورته في المهرجانات الفنية من اجل المنفعة المادية، حتى لو كان ذلك على حساب المصداقية المهنية.
وفي خط درامي آخر، تظهر نبيلة (حصة النبهان)، الفتاة التي تشق طريقها بصعوبة من عالم الكومبارس إلى النجومية، وتواجه في الوقت نفسه رفضا شديدا من أسرتها لدخولها هذا العالم، ومع ذلك تساعدها الظروف لتقفز إلى واجهة العمل الفني، حيث تحصل على دور البطولة في المسلسل الذي ينتجه «عبدالجبار» بعد أن تترك الفنانة زكية (لطيفة المجرن) العمل بسبب خلاف مع «حميد»، ثم نتعرف على فاضل (خليل الرميثي)، الكاتب الشاب الذي يحلم بتقديم عمل فني يحمل رسالة، غير انه يصطدم بواقع صناعة الفن عندما يعمل مع «عبدالجبار»، حيث يكتشف أن الوسط الفني ليس ورديا كما كان يتخيل، وأن المال والمنفعة غالبا ما يتغلبان على المبادئ الفنية.
العناصر الثلاثة
نجح رمضان خسروه في الجمع بين الكتابة والإخراج والتمثيل، مما أضفى طابعا شخصيا متميزا على المسلسل، حيث كشف ككاتب عن جوانب خفية في صناعة الفن بشكل جريء ومثير للاهتمام، واخراجيا يقدم رؤية بصرية جميلة تتميز باختيارات ذكية للوكيشنات التصوير وزوايا الكاميرا، وتعكس فهمه العميق للأجواء الداخلية للوسط الفني بصدق وواقعية، وكممثل يجيد تجسيد دوره، ومع ذلك فإن العمل لم يخل من الملاحظات والتي أبرزها الإيقاع البطيء للأحداث في بعض الحلقات.
أداء تمثيلي
يأتي الأداء التمثيلي في العمل متناغما، حيث يبرز الفنانين بأداء لافت وانسجام كبير مع الشخصيات التي يجسدونها، فسعد الفرج يلعب دور «عبدالجبار» باحترافية عالية تعكس خبرته الطويلة، بينما يبدع عبدالرحمن العقل وأحلام حسن وحسن إبراهيم في لعب شخصياتهم بمهارة وإقناع، وينجح خالد أمين في تسليط الضوء على الأبعاد النفسية لشخصية مدير الانتاج في الاعمال الفنية ببراعة، فيما تؤدي حصة النبهان دورها بمهارة، وإن كانت نبرة صوتها وأسلوب حديثها الشبيه بالأطفال يطرح تساؤلات حول مدى ملاءمته للدور، ويقدم خليل الرميثي شخصية الكاتب بإتقان، بينما يضيف محمد جابر، طيف، أميرة محمد، غرور، أحمد بن حسين، فاطمة أسد، عبدالعزيز أحمد، محمد المسلم، وباقي الفنانين المشاركين، حضورا متميزا يعزز «الحبكة» الدرامية ويثري العمل فنيا.
يظل مسلسل «ثلاثين حلقة» عملا يطرح قضايا حول صناعة الاعمال الفنية، مبتعدا عن المعالجة التقليدية لهذا الموضوع، ويبقى ان نشير إلى ان المقدمة الغنائية بصوت عبدالرحمن الدين، جيدة ويستحق عليها الإشادة.